يطل علينا وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي من قيادة المنطقة العسكرية الأولى في سيئون بمحافظة حضرموت بطرح يتحدث عن نقل القرار العسكري إلى مستوى المحافظات تحت مسمى "القيادة الذاتية المحلية". وهو طرح، في تقديري، لا يمثل مجرد خطأ في التوصيف أو زلة في التعبير، بل يشكل خطرًا حقيقيًا على عقيدة المؤسسة العسكرية وعلى فكرة الدولة نفسها.
وباعتباري أحد ضباط المؤسسة العسكرية، أقول بوضوح إن الحديث عن "فيدرالية الجيش" هو خطأ فادح لا يستقيم مع أبسط قواعد بناء الجيوش في العالم.
فكل النظم الفيدرالية المعروفة – مهما بلغت درجة اللامركزية فيها – تبقي السياسة الدفاعية والعسكرية، وكذلك السياسة الخارجية، بيد القيادة المركزية للدولة. هذا مبدأ ثابت لا جدال فيه، لأنه يتعلق بسيادة الدولة ووحدتها. أما نقل القرار العسكري إلى المحافظات أو الأقاليم فليس فيدرالية، بل هو أقرب ما يكون إلى تفكيك الجيش وتحويله إلى تشكيلات مناطقية متنازعة.
الجيش ليس مؤسسة خدمية يمكن إدارتها بمنطق اللامركزية الإدارية. الجيش هو عمود الدولة الفقري، ومؤسسة سيادية تقوم على عقيدة وطنية موحدة، أساسها الولاء للدولة وللعلم الوطني، لا للمناطق ولا للأشخاص ولا للسلطات المحلية.
وعندما يصبح القرار العسكري خاضعًا لسلطة المحافظ أو الإقليم، فإننا عمليًا نفتح الباب لولادة جيوش صغيرة داخل الدولة الواحدة، لكل منها حساباتها وولاءاتها وأجنداتها. وعند أول خلاف سياسي أو إداري بين محافظتين قد يتحول الأمر إلى مواجهة عسكرية، لأن أدوات القوة لم تعد بيد الدولة بل بيد سلطات محلية. وهنا مكمن الخطورة.
فاليمن اليوم ليس في حالة استقرار سياسي أو مؤسسي تسمح بمثل هذه المغامرات الخطيرة. نحن في مرحلة تتداخل فيها المشاريع السياسية، وتتنازع فيها القوى المحلية والإقليمية النفوذ. وبعض المحافظين أنفسهم لا يخفون نزعاتهم السياسية الخاصة أو ارتباطاتهم الخارجية. فكيف يمكن في ظل هذا الواقع تسليمهم مفاتيح القرار العسكري؟
إن الخلط بين اللامركزية الإدارية – التي قد تكون مطلوبة لتحسين إدارة الخدمات والتنمية – وبين اللامركزية العسكرية، هو خلط كارثي. فالأمن المحلي يمكن أن تتولاه الشرطة والأجهزة الأمنية ضمن إطار إداري منظم، أما الجيش فلا يمكن تجزئته ولا إخضاعه لسلطات محلية دون أن يتحول إلى أداة للصراع الداخلي.
التجارب الدولية واضحة في هذا الجانب. حتى أكثر الدول الفيدرالية رسوخًا في العالم تحرص على إبقاء القرار العسكري مركزيًا وخاضعًا للسلطة الاتحادية العليا. لأن الجيش في النهاية هو الضامن لوحدة الدولة وحدودها وسيادتها.
أما أن نذهب إلى ما هو أبعد من تلك النماذج، ونفتح الباب أمام تفكيك القرار العسكري بين المحافظات، فذلك ليس إصلاحًا للمؤسسة العسكرية، بل وصفة جاهزة لتفكيكها.
ولو كانت مؤسسات الدولة تعمل بكامل فاعليتها – من برلمان ورقابة ومساءلة – لما مرت مثل هذه الطروحات مرور الكرام، لأن خطورتها لا تتعلق بوزارة أو حكومة، بل بمستقبل الدولة اليمنية نفسها.
إن الجيش الوطني يجب أن يبقى قوة موحدة، بعقيدة وطنية واحدة، وقرار مركزي واحد. وكل ما عدا ذلك هو طريق نحو الفوضى، وإعادة إنتاج أمراء الحرب، وتقويض ما تبقى من فكرة الدولة.
واليمن اليوم لا يحتمل مزيدًا من المغامرات.
وباعتباري أحد ضباط المؤسسة العسكرية، أقول بوضوح إن الحديث عن "فيدرالية الجيش" هو خطأ فادح لا يستقيم مع أبسط قواعد بناء الجيوش في العالم.
فكل النظم الفيدرالية المعروفة – مهما بلغت درجة اللامركزية فيها – تبقي السياسة الدفاعية والعسكرية، وكذلك السياسة الخارجية، بيد القيادة المركزية للدولة. هذا مبدأ ثابت لا جدال فيه، لأنه يتعلق بسيادة الدولة ووحدتها. أما نقل القرار العسكري إلى المحافظات أو الأقاليم فليس فيدرالية، بل هو أقرب ما يكون إلى تفكيك الجيش وتحويله إلى تشكيلات مناطقية متنازعة.
الجيش ليس مؤسسة خدمية يمكن إدارتها بمنطق اللامركزية الإدارية. الجيش هو عمود الدولة الفقري، ومؤسسة سيادية تقوم على عقيدة وطنية موحدة، أساسها الولاء للدولة وللعلم الوطني، لا للمناطق ولا للأشخاص ولا للسلطات المحلية.
وعندما يصبح القرار العسكري خاضعًا لسلطة المحافظ أو الإقليم، فإننا عمليًا نفتح الباب لولادة جيوش صغيرة داخل الدولة الواحدة، لكل منها حساباتها وولاءاتها وأجنداتها. وعند أول خلاف سياسي أو إداري بين محافظتين قد يتحول الأمر إلى مواجهة عسكرية، لأن أدوات القوة لم تعد بيد الدولة بل بيد سلطات محلية. وهنا مكمن الخطورة.
فاليمن اليوم ليس في حالة استقرار سياسي أو مؤسسي تسمح بمثل هذه المغامرات الخطيرة. نحن في مرحلة تتداخل فيها المشاريع السياسية، وتتنازع فيها القوى المحلية والإقليمية النفوذ. وبعض المحافظين أنفسهم لا يخفون نزعاتهم السياسية الخاصة أو ارتباطاتهم الخارجية. فكيف يمكن في ظل هذا الواقع تسليمهم مفاتيح القرار العسكري؟
إن الخلط بين اللامركزية الإدارية – التي قد تكون مطلوبة لتحسين إدارة الخدمات والتنمية – وبين اللامركزية العسكرية، هو خلط كارثي. فالأمن المحلي يمكن أن تتولاه الشرطة والأجهزة الأمنية ضمن إطار إداري منظم، أما الجيش فلا يمكن تجزئته ولا إخضاعه لسلطات محلية دون أن يتحول إلى أداة للصراع الداخلي.
التجارب الدولية واضحة في هذا الجانب. حتى أكثر الدول الفيدرالية رسوخًا في العالم تحرص على إبقاء القرار العسكري مركزيًا وخاضعًا للسلطة الاتحادية العليا. لأن الجيش في النهاية هو الضامن لوحدة الدولة وحدودها وسيادتها.
أما أن نذهب إلى ما هو أبعد من تلك النماذج، ونفتح الباب أمام تفكيك القرار العسكري بين المحافظات، فذلك ليس إصلاحًا للمؤسسة العسكرية، بل وصفة جاهزة لتفكيكها.
ولو كانت مؤسسات الدولة تعمل بكامل فاعليتها – من برلمان ورقابة ومساءلة – لما مرت مثل هذه الطروحات مرور الكرام، لأن خطورتها لا تتعلق بوزارة أو حكومة، بل بمستقبل الدولة اليمنية نفسها.
إن الجيش الوطني يجب أن يبقى قوة موحدة، بعقيدة وطنية واحدة، وقرار مركزي واحد. وكل ما عدا ذلك هو طريق نحو الفوضى، وإعادة إنتاج أمراء الحرب، وتقويض ما تبقى من فكرة الدولة.
واليمن اليوم لا يحتمل مزيدًا من المغامرات.



















