صَخَبٌ في المشهد، ووجعٌ في الذاكرة. ليس في عدن اليوم احتجاج على رغيف، بل صراع على الجوهر: من هو العدني؟ ومن يقرر من يستحق هذه التربة؟ ومن يملك الحق في حماية سيادتها؟

هذه الأسئلة ليست جديدة. لكنها اليوم تعود كالصاعقة، لأن الإجابة عنها كانت وما زالت مفتاح الباب أو إغلاقه في وجه أبناء البلد.

قبل 65 عامًا، وقف الفقيد الأستاذ محمد علي باشراحيل، عميد "الأيام"، وحيدًا تقريبًا في مواجهة موجة كانت ستغير كل شيء. لم يكن يكتب مقالات عابرة. كان يرفع راية حمراء. في زاوية "يسألونك" أواخر 1958، وفي مقاله "حتى لا نكون سنغافورة ثانية" عام 1959، وفي هجومه على المجلس التشريعي عام 1960 بعد استبعاد "العروبة" من تعريف العدني، كان صوته كمن يصرخ في زحام: "إذا لم نحدد هويتنا اليوم، سيحددها غيرنا غدًا".

اقترح تعريفًا صارمًا: العروبة شرط أساسي، إضافة إلى المولد والإقامة وإجادة اللغة العربية. رفض "التعريف الفضفاض" واصفًا إياه بخيانة صامتة للهوية. كتب: "العروبة قول وعمل يا سادة".

واليوم؟ الهوية تُسأل من جديد. في غياب تعريف واضح، تتشكل الحقوق في غرفة مظلمة. كل مدافع عن عدن يعرف أن المعركة لم تنتهِ. بل انتقلت من أروقة المجلس التشريعي الاستعماري إلى واقع أكثر تعقيدًا.

الفقيد محمد علي باشراحيل طيب الله ثراه ليس مجرد اسم في التاريخ.

هو مرآة. كل من يقرأ كلماته الآن يشعر أنها كُتبت اليوم. المشهد تغير، لكن السؤال بقي: هل سنظل نردد تحذير "سنغافورة ثانية" حتى نصيرها؟

للمدافعين عن عدن رسالة واحدة: عودوا إلى "الأيام". ففي أرشيفها، ينام تنبيه لم يستيقظ منه أحد بعد.