​حين نؤرخ للتعليم في حضرموت واليمن، يقف اسم الأستاذ عبدالله أحمد باعشن كواحدٍ من العمالقة الذين صاغوا وجدان الأجيال. لم تكن سيرته مجرد مسارٍ مهني، بل كانت ملحمةً كفاحية لنقل شعلة العلم من مراكز الإشعاع في عدن والمكلا إلى عمق الوديان، ليزرع المعرفة والقيم حيثما حلّ.
  • المحطة العدنية: بين فقه "أبان" وإدارة "بازرعة"
بدأت ملامح النضوج العلمي للأستاذ عبدالله في مدينة عدن، التي كانت حينها حاضرة الدنيا ومنارة الثقافة. وهناك، تشكلت شخصيته الموسوعية عبر رافدين عظيمين:

المنهل الروحي والفقهي: حيث حظي برعاية كريمة وتلمذةٍ عميقة على يد العلم الشامخ وطيب الذكر الشيخ محمد بن سالم البيحاني (رحمه الله). فقد كان الأستاذ عبدالله ملازمًا لهذا الشيخ الجليل في مسجد أبان التاريخي، ينهل من علوم الدين والفقه والوعي الإصلاحي.

المنهل التربوي والإداري: ارتبط بعلاقة وثيقة وتلمذةٍ نجيبة على يد التربوي القدير الشيخ علي بن محمد باحميش في مدرسة بازرعة الخيرية، حيث صُقلت مهاراته كتربوي يجمع بين الحزم الأبوي والتمكن العلمي في تدريس اللغة الإنجليزية والخط العربي.
  • المثقف العضوي: بين جلال القلم وهيبة المسرح
لم يكن الأستاذ عبدالله سجين أسوار المدرسة؛ بل ساهم بقلمه السيال في صحيفة "الذكرى" بعدن و"الرائد" بالمكلا، متناولًا قضايا التعليم والإصلاح الاجتماعي. والأهم من ذلك، كان رائدًا سابقًا لعصره في العمل الروائي المسرحي؛ فقد آمن أن "خشبة المسرح" وسيلة تعليمية كبرى لترسيخ القيم الوطنية والأخلاقية بأسلوب فني جاذب.

العودة إلى دوعن: مدرسة "الخريبة" النموذجية
جاءت اللحظة التاريخية حين قرر الأستاذ عبدالله العودة إلى مسقط رأسه في الخريبة بدوعن، حاملًا معه خبرة "مسجد أبان" و"مدرسة بازرعة". هناك، أحدث ثورة تعليمية بتأسيس مدرسته التي اعتبرت أول مدرسة مكتملة الأركان في المنطقة، تميزت بثنائية اللغة (العربية والإنجليزية) والاهتمام ببناء الإنسان رياضيًّا وفنيًّا وأخلاقيًّا.
  • حصاد العمر: مدرسةٌ خرّجتِ القادة والرجال
إن عظمة الأستاذ عبدالله تتجسد اليوم في تلك النخبة من الرجال الذين تخرجوا من مدرسته بالخريبة؛ فمن بين جدرانها خرجت أجيالٌ تبوأت أعلى المناصب، من وزراء ومسؤولين كبار، وكفاءات اقتصادية في دول الخليج، وقادة فكر وأدب واصلوا مسيرته التنويرية.

بين جحود المؤسسات ووفاء الأثر: أين الخيبة من رد الاعتبار؟
رغم هذا السجل الحافل والتاريخ الذي يشرق بأسماء من تخرجوا على يديه، يبقى هناك تساؤل مرير يفرض نفسه على المشهد الثقافي والتربوي في حضرموت: لماذا غاب اسم الأستاذ عبدالله أحمد باعشن عن منصات التكريم الرسمي؟

إن المتابع لمسيرة التعليم يجد غصة في النفس وهو يرى رائد التنوير الأول في دوعن لم يحظَ حتى اليوم بإطلاق اسمه على صرح علمي أو مؤسسة تربوية أو شارعًا  تخليدًا لذكراه، رغم أن بصماته محفورة في عقول وقلوب قيادات الدولة وكوادرها. ومن المفارقات العجيبة أن معظم صنّاع القرار والمؤثرين في حضرموت هم من تلامذته الذين نهلوا من علمه، وفي مقدمتهم الأستاذ سالم أحمد الخنبشي (محافظ محافظة حضرموت السابق)، والشيخ الفاضل محمد حسن بن عبدالرب العمودي عضو مجلس النواب، وعشرات الأطباء والمهندسين والمعلمين وشيوخ العلم الذين يشار إليهم بالبنان.

إن هذا "التجاهل المؤسسي" لا يقلل من شأن المعلم الكبير، ولكنه يضع علامة استفهام كبرى حول دور الجهات المعنية في حفظ ذاكرة الرواد. لقد صدق القائل إن الشيخ عبدالله أحمد باعشن قد "أثابه الله بفضله وجحده البشر، لكن عزاءنا أن ذكره باقٍ ما بقي حرفٌ يقرأه تلميذ، وما بقي أثرٌ لعلمه فيمن يقودون المجتمع اليوم. فالتكريم الحقيقي ليس درعًا يُهدى، بل هو اعتراف بجميل رجل صاغ مستقبل جيل بأكمله حين كانت الدروب مظلمة.
  • خاتمة
لقد كان الأستاذ عبدالله أحمد باعشن "أمةً في رجل". لم يكتفِ بنشر الحرف، بل بنى العقول وشيّد الضمائر. رحل تاركًا خلفه إرثًا لا يمحوه الزمن، ومدرسةً لا تزال أصداؤها تتردد في نجاحات طلابه الذين انتشروا في أصقاع الأرض، حاملين فضل ذلك "المعلم الأول" الذي أخرج دوعن من سكون العزلة إلى أنوار المعرفة العالمية.
رحم الله الأستاذ القدير عبدالله أحمد باعشن، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء.