من إن قالها الشاعر حسين البار وغناها الفنان الكبير محمد جمعة خان، وصاح (يا حضرموت افرحي، بترولنا بايجي) كانت هذه هي الصرخة التي أيقظت الأطماع في شأن ثروات حضرموت وجعلت مغمضي العيون يفتحون ويتفحصون الخرائط أين تقع حضرموت، وكذا نبهت العقول الخامدة إلى أن هناك أرض بها نفط قادم وأن الحضارم هؤلاء الحضارم الذين هاجروا بحثا عن الرزق والسكينة من حروب وفتن داخلية عندهم إلى حيدر آباد الهند وجاوه وتنزانيا ثم جدة إلخ.

وعبروا البحار السبعة لأجل ذلك، ومن الذي تنبه في حقيقة الأمر إلى هذه الصرخة الحضرمية والتي انتكس الحضارم بسببها ولم يجود لهم الزمن لا بمكسب ولا سكينة ولا فرحوا بعد ما أشاعوا من إعلان كان من خطورته أن أيقظ المتربصين بحضرموت والطامعين القدامى ذلك اليوم وزاد فوقهم الناهبين الجدد، وكلا وضع له عنوان أراد أن يصبغه بوطنية لا أساس لها، ومن يومها والهجمة لم تتوقف على حضرموت كلا يريدها لنفسه من أقصى اليمن أو بعض القوى الداخلية أو بعض دول الجزيرة والخليج وإيران وقوى الاستعمار القديمة والحديثة، وضعونا في أحسن مكان من أهدافهم الرعناء وساقونا إلى الفتنة كل حين حيث تسكب الدماء في حضرموت مرة تلو الأخرى وتدفع الفتنة إلينا دفعا وغصبا عنا، لا أحد برئ ممن يتشدقون حول حكاية النضال الجنوبي أو اليمني أو العربي، ولا أحد صادق فيما نراه اليوم.

كل يستعمل حضرموت ورقة للضغط والمراهنة بها في اللعبة السياسية في كل اليمن وليس الجنوب فقط ولا حضرموت المذبوحة والتي أخطأ رجالها خطأ فادحا من الستينات حين أطلقوا صرختهم تلك ولم يعقبها تأمين قوي داخلي يضمن قوتها أولا وتدفق نفطها بسلام ودون أطماع داخلية أو للجوار وكذا للقوى التي تتحرك تحت شعارات الأمس اليوم حول حضرموت وضرورة لي يدها أو خنق رقبتها أو إسقاطها في الشباك التأمرية التي تحاك لها، بل أخطاءنا من ذلك اليوم.

والآن كل ما حولنا يشتعل الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، وهناك ما دار ويدور داخل اليمن كله من حرب بيننا البين ومخاطر تتجدد آخرها ما حدث من حرب داخل حضرموت من أشهر قليلة ضد حضرموت والمهرة وما نتج عنها من تدخل سعودي وما يشتعل من فتنة هناك من يدفع بها لتشتعل بها حضرموت ليس لأنها حضرموت هكذا، بل لأنها حضرموت النفط الذي لابد من أن يضعه كل طامع تحت يده وهذا ما حدث ويمكن أن يتطور إلى أسوأ مما هو عليه الحال، وهذا يكشف أن أية نوايا للحضارم لن يكتب لها النجاح وهذا ما يقرأ من العنوان وأن فكرة الاستقلال الحضرمي الكامل أو بالتجزئة ستحاربه كل القوى الطامعة والمتحفزة وإن هذه الحرب ضد حضرموت لم تنته بما انتهت عليه بالأمس القريب، بل أن هناك حرب جديدة يعد لها وفتنة أكبر وقانا الله في حضرموت من شرها.

في ذات مرة كنت أتحدث إلى طيب الذكر الراحل الشيخ وزير النفط السابق السيد صالح أبو بكر بن حسينون، الذي قتل في حرب صيف 1994م على مشارف مدينة المكلا، حول حرب النفط الحضرمي وإلى أين سيقودنا هذا؟ فقال رحمه الله إن هذه الحرب حتى لو انتهت بتهدئة أو تدخل دولي فإن الحرب على حضرموت لن تتوقف عاد هناك من هو طامع بيننا وطالما هذا النفط معنا لن يتوقف من يطمع فينا أبدا، وأتذكر أيضا وكنا ندير العمل الإعلامي أثناء الحرب نفسها وفور مغادرة السيد علي سالم البيض عدن واستقر بحضرموت إن بثت الإشاعات والأقاويل ولاحقته وكتبت مقالات في صحف حول فراره إلى المكلا وأنه ينوي فصل حضرموت وجعلها دولة وروجت هذه الفكرة بقوة وكنا نراقبها معه، وحتى خطاب الانفصال الذي إذاعة وسجله بإذاعة المكلا وكنا حاضرين يومها كان تحت ضغط هذه الأقاويل وهروبا منها وتفاديا للانشقاقات حينها ربما.

نحن أمام فتنة تستعر في جسد حضرموت، ومن المسؤولية أن نحذرها وأن نغادرها فورا وأن نغلق بابها وهناك عدة محاور يمكن العمل عليها لقتل الفتنة، نحن لا نقول أغلقوا آبار النفط بحضرموت، كلا ولكن الحلول الأقوى تتوفر وأن نتعجل ما طرحت من أفكار بشأن حضرموت وأن يفتح حوار جاد حضرمي حضرمي ليغلق منافذ الفتنة والزج بحضرموت في الدم والتصادم.

علينا إعادة النظر في طريقة الحكم بحضرموت وتعزيز مكانته وإشراك القوى الحضرمية في تقوية الوضع الداخلي وأيضا الارتباط بالقوى الجنوبية العريقة والمحبة للسلام ووحدة التراب الجنوبي، وإذا ما عجزنا عن هذا، فهناك من يطرق الباب ولن يحكم أحد بالدم إلا بالحوار، وعلينا أن نتذكر أن الحرب الإيرانية الأمريك/ إسرائيلية جنبنا وقد نؤكل ونحن في غفلة، وأي غفلة.