من الملاحظ في الآونة الأخيرة أن هناك تساؤلات متزايدة حول واقع القيم الأخلاقية في بلدنا اليمن، وكأننا أمام تحولات تستحق التوقف والتأمل. أين تكمن المشكلة؟ وما هو الغائب عنا؟ وما هو الدور المنوط بنا
كأفراد أو مؤسسات أو مجتمع؟
صرنا نرى في الوقت الحاضر الكثير من القيم الأخلاقية التي يُضرَب بها عرض الحائط، ومن أهمها الاحترام الإنساني المتبادل، وخصوصًا من الرجال تجاه النساء. رغم وجود بعض الإرث من العادات الثقافية التي كانت ولا تزال تهضم حق المرأة، إلا أنه كان هناك أيضًا خطوط حمراء غير مكتوبة لا يتم تجاوزها، ومن ضمنها الخوض في أخلاق أو سمعة أخواتنا من النساء. لكن للأسف الشديد، هذا الحاجز الأخير والصامد بدأ أيضًا بالتصدع، وأصبح قابلًا للانهيار. ويجب علينا أن نقف وقفة جادة لنحلل الوضع ونضع أيدينا على مكامن المشكلة من أجل أن نستطيع إيجاد حلول لعدم تفاقمها.
من المؤكد أن الأسرة هي الفضاء الأول الذي يتلقى فيه أطفالنا التربية الأخلاقية، فهل ما يتم تربيتهم عليه كافٍ ليعرفوا معنى القيم الأخلاقية الهامة، وعلى رأسها احترام الجميع، وعلى الخصوص شريكات الحاضر والمستقبل؟ وهل يتم غرس مفهوم الاحترام بشكل عملي بين الإخوة والأخوات؟ بعد ذلك، ما هو دور مؤسساتنا التعليمية؟ هل تعزز هذه القيم بشكل أعمق، سواء من خلال المناهج التعليمية التي تُبرز
دور شريكات المجتمع في بناء نهضة هذا الوطن، أم من خلال المعلمين والمعلمات في إيصال هذه المعاني لأطفالنا في مراحلهم المختلفة؟
وأخيرًا، ما هو دورنا كمجتمع؟ هل نحفّز ونشجّع الأفراد على التحلي بهذه الأخلاق الحميدة، ونكون أول سد منيع ضد من يحاول التنمر أو استخدام ألفاظ خادشة للحياء في حق شريكات بناء نهضة الوطن؟ وهل الرقابة المجتمعية على التنمر، سواء الواقعي أو في الفضاء الإلكتروني، فاعلة؟ كيف تتم توعية الأفراد بأن هذا لا يُعد نوعًا من المزاح، بل هو خارج عن إطار القيم الأخلاقية التي يجب أن تُعزَّز في مجتمعنا؟ وإذا وصل الأمر إلى مستويات لا تنفع معها التوعية، فكيف تكون القوانين والأطر القانونية مناسبة لتصحيح هذا الاعوجاج في البنية الأخلاقية للمجتمع؟
ولا يمكن أن نغفل أيضًا دور الخطاب الإعلامي في تشكيل الوعي المجتمعي، فهذه المنابر تمتلك تأثيرًا واسعًا على طريقة تفكير الأفراد وسلوكهم اليومي. هل يتم استثمار هذا التأثير بشكل صحيح لتعزيز قيم الاحترام المتبادل وترسيخ مكانة المرأة كشريكة أساسية في بناء المجتمع؟ أم أن هناك قصورًا في طرح هذه القضايا بالشكل الذي يلامس الواقع ويعالج جذور المشكلة؟ إن توجيه الخطاب نحو تعزيز القيم الأخلاقية بشكل عملي ومستمر يمكن أن يكون أحد أهم الأدوات لإعادة التوازن القيمي داخل المجتمع، خصوصًا إذا تكامل مع دور الأسرة والتعليم والقانون.
من المحزن أن نرى مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت مليئة بالكثير من هذه الأفعال التي تفتقر لأبسط القيم الأخلاقية، وهناك القليل مما يُبذل لمعالجة هذه الظاهرة. والأكثر استغرابًا أن ترى هذه الممارسات في مساحات يُفترض أنها نقاشية للتخطيط لمستقبل أفضل لليمن. فبدلًا من أن يركّز الجميع، رجالًا ونساءً، على مشاركة أفضل ما لديهم من أفكار ومقترحات، ينسى البعض هذا الهدف السامي — ولا أدري هل هو بحكم التعود على هذا النوع من المزاح السمج — ليطرح أسئلة أو تعليقات تحمل انتقاصًا من القيم الأخلاقية وتمس الجوانب الشخصية للآخرين، تحت غطاء المزاح أو الفكاهة.
هناك خلل، وهذا الخلل في تفاقم، ويجب أن تكون لدينا وقفة جادة أمام هذا الانهيار القيمي الذي نواجهه في اليمن.
إذا كان هذا الخلل نتيجة محاولات لتهميش النساء من حقهن الطبيعي كشريكات في نهضة اليمن، فيجب أن تكون هناك قوانين تعالج هذه المشكلة وتحدّ منها وتعاقب من يتخذ هذا المنحى. أما إذا كان ناتجًا عن عادات سيئة، فلا بد من برامج توعوية لأبنائنا من الجيل الجديد بأن هناك قيمًا أخلاقية يجب أن نتحلى بها ونطبقها على أرض الواقع، بدءًا من أسرنا، ثم الحي والمدرسة، وصولًا إلى الحياة العامة. لأنه إذا استمر المجتمع في هذا المنحدر الأخلاقي، فإننا سنفقد جيلًا بأكمله.



















