في هذا الأيام نمضي، ونحن نظن أن ما نراه هو الحقيقة الكاملة، وأن الوجوه التي تعبر أمامنا لا تحمل إلا ما يظهر منها. لكن الحقيقة الأعمق أن لكل إنسان قصة لا تروى، ومعاناة لا ترى، وحزنا وألما يختبئان خلف ابتسامة في دارة قد تبدو عادية.

لا أحد يعلم ما أصابك يا يمن.

ولا أحد يدرك كيف تمضي الأيام وأهلك تخوض صراعًا صامتًا، وتواجه أوجاع الحياة. ما الذي زعزع أمانك؟ وما الذي كسر تلك العفوية التي كانت تسكنك؟ أسئلة كثيرة قد لا تجد لها أذنا تصغي، ولا قلبا يشعر بثقلها كما ينبغي.

في هذه الحياة اعتدنا أن نحكم من الخارج، وأن نصنف الناس وفق ما يظهر منهم، دون أن نتوقف قليلًا لنتأمل حجم الخسارات التي قد يحملونها في داخلهم. كم مرة اضطر الإنسان أن يتماسك، فقط لأن لا أحد سيسأل؟ وكم مرة ابتسم، بينما هو في داخله ينهار بصمت، إرضاءً للآخرين؟

يا وطن، لست وحدك، وإن بدا الطريق موحشا. فخلف كل إنسان قصة تشبه قصتك، وإن اختلفت التفاصيل. هناك من يعاني كل يوم ليبقى، من يحاول أن يصلح ما انكسر فيه، أو يتعايش مع ما لا يمكن إصلاحه. هناك من فقد وحزن، ومن خذل، ومن حمل أعباءً أكبر من عمره؛ لكنه استمر، لأن الحياة لا تنتظر أحدا.

وربما أقسى ما في الألم ليس الألم ذاته، بل الشعور بأن لا أحد يراه؛ أن تمر بكل هذا دون أن يلتفت إليك أحد، ودون أن يدرك أحد حجم ما تحمل. لكن في عمق هذا الصمت، يبقى يقين لا يتزعزع.. أن الله وحده يعلم، ويرى، ويحصي كل المواجع.

الله يعلم وجع كل اهلك يا أيمن، ويعلم كم كافح الآباء والأمهات وكم صبرت الناس، وكم حاولت أن تنهض رغم كل ما أثقلك.. إن الله يعلم لحظات ضعفك، ودموعك التي أخفيتها، وصوتك الذي اختنق في داخلك، وهو وحده العادل الذي لا يضيع عنده حق، ولا تهمل عنده حكاية، يوم الحساب.

في نهاية المطاف، ليست كل المعاناة تخاض أمام الناس، ولا كل الانتصارات تصفق لها الجموع. هناك انتصارات الصبر الصامتة لا يراها أحد، لكنها عظيمة عند الله، حين تتوجع وتصبر، حين تستمر، حين تقاوم دون أن تنكسر.

فكن على يقين أن ما مررت به لم يذهب سدى، وأن لكل وجع حسابا، ولكل صبر جزاء. وإن ضاقت بك الدنيا يوما، فتذكر أن هناك من يعلم كل التفاصيل، وسيفصل فيها مع الزمن بعدل لا يظلم أحدًا.

هكذا تستمر الحياة.. لا لأننا لا نتألم، بل لأننا نؤمن أن خلف كل ألم حكمة، وخلف كل صبر فرج.