في زمن تتشابك فيه الأصوات وتتكاثر المشاريع الإقصائية، يخرج إلينا الأستاذ محمد هشام باشراحيل بمبادرة مختلفة حقًا:"مشروع عدن الوطني". ليس مجرد ندوة عابرة ولا بيانًا استهلاكيًّا يذبل بعد أسبوع، بل محاولة جادة لفتح نافذة حوار لا تغلق في وجه أحد.

منذ سنوات والمدينة التي كانت يومًا منارة الجنوب وملهمة الثوار تتخبط بين أزمات متلاحقة وصراعات هامشية على الغنائم، بينما يبقى العدني البسيط هو الخاسر الأكبر. تأتي هذه المبادرة كجرعة أكسجين بعد عنا طويل، حيث يعلن القائمون عليها أن أبوابهم مفتوحة لكل مكونات عدن دون استثناء: سياسيًّا كانوا أو اجتماعيين، شبابًا أو نساءً، إعلاميين أو ناشطين. هذا هو الفارق الجوهري – لا إقصاء، لا تهميش، ولا خطوط حمراء على أحد.

ما يميز هذا المسار الجديد أنه لا يطلب من المشاركين التخلي عن انتماءاتهم، بل يدعوهم لوضع قضية عدن فوق كل اعتبار. صيغة ربما تبدو بسيطة، لكنها جوهر الحل. فكم من مشاريع سابقة تعثرت لأنها أرادت ابتلاع الجميع في قالب واحد، أو لأنها خدمت أجندات خارجية؟ هنا التركيز على مصلحة أبناء المدينة وحقوقهم التي هدرت لعقود.

فريق الحوار الذي يتم تشكيله وفق معايير دقيقة تشمل المصداقية والالتزام الحقيقي بقضايا عدن، مع ضمان تمثيل عادل لكل مديريات المدينة، يؤشر على أن الأمر جاد. لا للوجاهات الفارغة، ولا للوجوه المستهلكة التي تورطت بإخفاء الماضي. إنها دعوة للخبرة النظيفة وللطاقات الجديدة التي لم تتلوث بصراعات الأمس.

نعم، الطريق طويل. والعديد من المبادرات السابقة انتهت إلى غرف مغلقة بلا أثر. لكن الخطوة الأولى التي أقدم عليها باشراحيل تستحق الوقوف عندها بموضوعية. تأتي في وقت تعاني فيه عدن من انقسام حاد، ومن غياب مشروع جامع يعيد للمدينة قدرتها على القيادة. ربما تكون هذه الفرصة الأخيرة لتدارك ما فات، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي قبل أن تتمزق أطرافه إلى الأبد.

المطلوب الآن من جميع الأطراف: تنحية الحسابات الضيقة، والإيمان بأن "عدن أولًا" ليست شعارًا، بل خيار مصيري. فالمدينة التي علمتنا الثورة تعلمنا اليوم التوحد من أجلها.