> عبدالله جاحب

من صميم المخاض العسير لا يُولد الأمل إلا إذا امتلكنا شجاعة انتزاعه من بين أنياب اليأس.

وبين ركام الأوجاع التي كدّستها السنون فوق صدر عدن، وحطام الأحلام التي تكسرت على صخرة العبث السياسي، نقف اليوم أمام مفترق طرق لا ثالث له: إما أن نصنع بأيدينا مشروعًا وطنيًّا يجمع شتات عدن ويضمّد جراحها، أو نُسلّمها طواعيةً لرياح التمزيق لتلتهم ما تبقى من ملامحها.

في لحظةٍ فارقة، جاء إعلان الأستاذ محمد هشام باشراحيل تدشين "مشروع عدن الوطني" كصرخةٍ في بريّة الصمت، وكضربة معلمٍ أتقنت توقيتها وزمانها. ففي الوقت الذي تتقاذف فيه عدن أمواجُ الانقسام، وتتناهبها مخالب المشاريع الضيقة، يفتح هذا المسار نافذةً للحوار والتلاقي بين كل مكونات المجتمع العدني دون استثناء. لم يكن إعلانًا عابرًا، بل صفارة إنذار تقول إن عدن لم تمت، وإن في عروقها دمًا لا يزال يجري.

لكن التاريخ لا يرحم، وذاكرة الشعوب لا تغفر لمن يكرر الكارثة وهو يعلم. لقد شبعت عدن حتى التخمة من مبادراتٍ وُلدت ميتة لأنها رضعت من ثدي الإقصاء، وترعرعت في كنف التهميش، وتغذت على وهم أن الوطن يمكن أن يُختزل في لونٍ واحد وصوتٍ واحد. تلك الآفة اللعينة التي نخرت جسد كل مشروعٍ سابق، وأوصلتنا إلى هذا الدرك، يجب أن تُدفن هنا... الآن... بلا رجعة. فالوطن الذي يُبنى على استبعاد أبنائه ليس وطنًا، بل مقبرةٌ جماعيةٌ للأحلام.

إن "مشروع عدن الوطني" ليس منّةً من أحد، ولا مكرمةً من فصيل. هو حقٌ انتُزع انتزاعًا من بين فكّي الغياب، ودَينٌ في أعناقنا جميعًا. عدن اليوم لا تحتمل المزيد من الأكاذيب المغلّفة بشعارات براقة، ولا تطيق وجوهًا تتبدل وأقنعةً تتغير بينما الجوهر هو ذاته: عقلية الاستحواذ، وشهوة إلغاء الآخر. من يظن أنه قادر على إعادة إنتاج الماضي البغيض تحت لافتة جديدة فهو واهم، لأن عدن تعلّمت الدرس بدمها، وصارت تعرف جلّاديها وإن تنكّروا.

هذه ليست دعوةً للحوار، بل إعلانُ حربٍ على كل ما مزّق عدن. حربٌ على التهميش الذي جعل الكفاءات تهاجر، وعلى الإقصاء الذي حوّل الساسة إلى أمراء طوائف، وعلى الخطاب الذي يصنّف الناس بين"معنا" أو "ضدنا". عدن أكبر من الجميع، وأقدم من كل المشاريع الطارئة. هي أمٌّ لا تفرّق بين أبنائها، فمن نحن لِنُصنّف ونُقصي ونُخوّن؟

إننا أمام اختبارٍ تاريخي لا يحتمل الرسوب. إما أن نرتقي إلى مستوى الجرح العدني ونكون رجال دولة بحق، نضع عدن فوق كل اعتبار، أو لنكن صرحاء مع أنفسنا ونعلن إفلاسنا الأخلاقي والسياسي ونتركها لمصيرها. لم يعد في قوس الصبر منزع، ولم يعد في دفتر الأعذار صفحاتٌ بيضاء. عدن تنزف، وكل قطرة دمٍ تسقط هي شاهدٌ علينا يوم تُنصب محكمة التاريخ.

المشروع الوطني لعدن ليس خيارًا سياسيًّا، بل هو قدرٌ يجب أن نواجهه بصدق الرجال. فإما أن ننتصر لعدن كلنا، أو نسقط كلنا في العار. والمعركة قد بدأت... والخيار لكم.