في كثير من المجتمعات التي تمرّ بظروف صعبة، يصبح الانتقاد أسهل الأفعال وأكثرها حضورًا. فحين تشتدّ الأزمات، وتضيق فرص العيش، وتتعمّق الانقسامات، يجد الناس أنفسهم محاطين بأسباب كثيرة للغضب واللوم والإدانة. وهذا أمر مفهوم؛ فالمعاناة اليومية ليست بسيطة، والضغوط التي يواجهها المواطن، ولا سيما الشباب، ليست عابرة. لكن السؤال الأهم هو: هل يكفي أن ننتقد؟ وهل تغيّر الإدانة وحدها واقعًا أنهكته الحروب والفقر والتشتت الاجتماعي؟

في اليمن، يواجه الشباب تحديات مركّبة. هناك أزمة اقتصادية خانقة، وفرص عمل محدودة، وتعليم متعثر في كثير من المناطق، وهجرة داخلية وخارجية، وواقع اجتماعي مثقل بالخوف وعدم اليقين. ومع ذلك، فإن ما يستحق التوقف عنده بإعجاب هو أن كثيرًا من الشباب لم يستسلموا لفكرة العجز، ولم يكتفوا بتبادل الشكوى أو انتظار الحلول من بعيد. لقد بدأ بعضهم، بصمت ووعي، في البحث عن طرق عملية لخدمة مجتمعاتهم، مهما كانت بسيطة ومحدودة.

تظهر هذه الروح في مبادرات شبابية محلية تهتم بالتعليم، أو النظافة، أو دعم الأطفال، أو مساعدة الأسر المحتاجة، أو تنظيم أنشطة توعوية، أو خلق مساحات للحوار بين الأقران. وقد لا تكون هذه المبادرات كبيرة في حجمها، لكنها كبيرة في معناها. فهي تقول إن الإنسان لا يفقد قدرته على الفعل حتى في أصعب الظروف، وإن المجتمع لا يُبنى فقط بالقرارات الكبرى، بل أيضًا بالأعمال الصغيرة المتواصلة التي تعيد الثقة بين الناس.

إن أهمية هذه الجهود لا تكمن فقط في نتائجها المباشرة، بل في الثقافة التي تزرعها. فعندما يجتمع مجموعة من الشباب في حيّ أو قرية أو مدينة، ويتشاورون حول مشكلة محلية، ثم يضعون خطة بسيطة لمعالجتها، فإنهم يتعلمون معنى المسؤولية الجماعية. وعندما يشجعون أقرانهم على المشاركة بدل الانسحاب، فإنهم يوسّعون دائرة الأمل. وعندما يتعاملون مع الناس بروح التعاون لا بروح الاتهام، فإنهم يساهمون في ترميم نسيج اجتماعي أضعفته سنوات الصراع.

لسنا بحاجة إلى التقليل من حجم المعاناة كي نمتدح هذه الجهود. بل على العكس، قيمة هذه المبادرات أنها تنشأ وسط واقع صعب. فمن السهل أن يتحدث الإنسان عن التفاؤل حين تكون الظروف مريحة، لكن الأصعب والأجمل أن يختار طريق البناء في بيئة يسودها الإحباط. هنا تتجلّى قوة الشباب الحقيقية: في قدرتهم على مقاومة الميل إلى السخرية واليأس، والانتقال من سؤال “من المسؤول؟” إلى سؤال “ماذا نستطيع أن نفعل؟”.

وهذا لا يعني إعفاء المؤسسات من مسؤولياتها. فالشباب يحتاجون إلى التشجيع، والتوجيه، والمساحات الآمنة، والدعم المعنوي والمادي، وإلى من يثق بقدرتهم بدل النظر إليهم كعبء أو مشكلة. كما أن أي جهد شبابي ناجح يحتاج إلى بيئة حاضنة، تسمح بالتعلّم من التجربة، وتقبل الخطأ، وتقدّر المبادرة. غير أن انتظار اكتمال الظروف قبل البدء في العمل قد يعني ألا نبدأ أبدًا. لذلك، فإن الحكمة تكمن في الجمع بين إدراك التحديات والسعي العملي لخدمة المجتمع.

من المهم أيضًا أن ندرك أن الخدمة المجتمعية ليست عملًا هامشيًا أو مؤقتًا، بل مدرسة لبناء الشخصية والوعي. فالشاب الذي يتعلم كيف يعمل مع فريق، وكيف يستمع إلى آراء مختلفة، وكيف يحوّل فكرة صغيرة إلى عمل ملموس، يكتسب مهارات لا توفرها الكتب وحدها. ويتعلم أن التغيير لا يحدث بالصوت المرتفع فقط، بل بالصبر، والتنظيم، والتعاون، ومعرفة حاجات الناس الحقيقية.

إن اليمن اليوم بحاجة إلى هذا النوع من الوعي؛ وعي لا يغفل الألم، لكنه لا يسمح للألم بأن يتحول إلى شلل. وعي يرى في الشباب طاقة أخلاقية واجتماعية قادرة على الإسهام في التعافي، لا مجرد فئة تنتظر دورها. فالمجتمعات التي تنهض بعد الأزمات لا تنهض بالكراهية ولا باللوم وحده، بل تنهض عندما يقرر أفرادها، وخاصة شبابها، أن يكونوا جزءًا من الحل.

قد لا يستطيع الشاب أن يغيّر واقع البلاد كله دفعة واحدة، لكنه يستطيع أن يغيّر شيئًا في محيطه. يستطيع أن يعلّم طفلًا، أو ينظّم مبادرة، أو يشارك في نشاط نافع، أو يفتح حوارًا بنّاءً، أو يمدّ يد العون لجاره. وهذه الأفعال، وإن بدت صغيرة، هي اللبنات الأولى لأي تحول كبير.

إن شباب اليمن، رغم كل ما يحيط بهم، يثبتون أن الأمل ليس كلامًا عاطفيًا، بل ممارسة يومية. الأمل قرار بأن لا نكتفي بالإدانة، وأن لا نسمح للظروف بأن تحدد حدود إنسانيتنا. وحين يتحول النقد إلى وعي، والوعي إلى عمل، والعمل إلى تعاون، يصبح المستقبل أقل ظلمة وأكثر قابلية للبناء.