​في هذا الزمن الكل يبحث عن المصالح، وحين تتعاظم فيه موازين القوة الظاهرة، يبرز صوت الحكمة القديمة ليضع الأمور في نصابها. فقد عبر.. أبو الطيب المتنبي عن حقيقة إنسانية خالدة بقوله.. "وما من يد إلا يد الله فوقها.. وما من ظالم إلا سيبلى بأظلم..." وهي عبارة تتجاوز حدود الشعر، لتغدو مبدأً يفسر حركة الحياة وتقلباتها.

واقعنا اليوم لا يختلف كثيرًا عن عصور مضت؛ إذ نشهد مظاهر متعددة لقوة تبدو راسخة، وسلطات يخيل لأصحابها أنها بمنأى عن المساءلة. غير أن التجربة الإنسانية، بما تحمله من شواهد متكررة، تؤكد أن هذه القوة ليست سوى حالة مؤقتة، وأن كل نفوذ محكوم بسقف لا يمكن تجاوزه.

إن المعنى العميق لعبارة “يد الله فوقها” لا يقف عند حدود الإيمان المجرد، بل يمتد ليذكر الإنسان بأن ما يمتلكه من سلطة أو تأثير إنما هو اختبار، لا ضمانة. وفي المقابل، تأتي الجملة الأخرى كقاعدة صارمة في ميزان العدالة.. فالظلم، مهما طال أمده، يحمل في داخله بذور نهايته، وقد يرتد على صاحبه بصورة أشد قسوة مما مارس في حق الغير.

وفي مجتمعات تتكرر فيها صور الاستغلال والتعدي، يصبح استحضار هذه الحقيقة ضرورة أخلاقية، لا دعوة للاستسلام، بل تعزيزًا للوعي بأن العدالة ليست غائبة، وإنما قد تتأخر. وأن بقاء الظلم ليس إلا مرحلة عابرة في سياق أوسع تحكمه سنن لا تتبدل.

كما يقدم هذا المعنى رسالة واضحة للطرفين.. للمظلوم بأن الأمل ليس وهمًا، وللظالم بأن حسابات القوة قد تنقلب في لحظة، ليجد نفسه في الموضع ذاته الذي وضع فيه غيره. فالتاريخ لا يخلو من أمثلة صعود مؤقت أعقبه سقوط مدو حين ظن أصحابه أن دوام الحال ممكن.

في المحصلة، يظل صوت المتنبي حاضرًا، لا بوصفه شاعرًا فحسب، بل شاهدًا على طبيعة الحياة.. حيث لا تدوم سلطة، ولا يستمر ظلم، ويبقى العدل الإلهي .. بأشكاله المختلفة.. قانونا لا يمكن الإفلات منه.