ماذا يحتاج المشهد إلى اتجاه ثالث يعبّر عن الأغلبية الصامتة؟

> لم تعد معضلة الجنوب اليوم في قلة القوى أو في ضعف الحضور السياسي، بل في تعددٍ لم يعد منظمًا بما يكفي ليصنع استقرارًا، ولا متوازنًا بما يكفي ليبعث الطمأنينة في نفوس الناس. فالمشهد الجنوبي، بما فيه من أحزاب تقليدية، ومكونات حراكية، وقوى قائمة وفاعلة، يعكس حضورًا واسعًا، لكنه لا يعكس بالضرورة صيغة جامعة قادرة على تحويل هذا الحضور إلى مشروع أوضح، وأهدأ، وأكثر قربًا من تطلعات المجتمع.

ومن هنا، فإن الحاجة لم تعد إلى إضافة عنوان جديد بقدر ما أصبحت إلى إطار أعلى ينظم هذا التعدد ويعيد توجيهه نحو مصلحة الجنوب العامة. لا بإلغاء أحد، ولا بتجاوز أحد، ولا بفتح خصومة جديدة مع أي طرف، بل ببناء مرجعية سياسية جنوبية جامعة تستوعب الاتجاهات القائمة، وتخفف من أثر التنازع بينها، وتمنح الجنوب صوتًا أكثر اتزانًا أمام الناس والجوار.

والأقرب إلى الواقعية أن تقوم هذه المرجعية على ثلاثة اتجاهات رئيسية.

اتجاه أول يضم الأحزاب والمكونات والشخصيات التي تلتقي في رؤيتها السياسية ومنهجها العام.

واتجاه ثانٍ يضم المكونات الحراكية والقوى الفاعلة القائمة، وعلى رأسها المجلس الانتقالي، ومعها من ينسجم معها من أحزاب أو شخصيات أو قوى أخرى.

أما الاتجاه الثالث، وهو الأهم في تقديري، فيجب أن يكون متميزًا عن الاتجاهين الآخرين بطبيعته نفسها: استقلالًا، ونزاهة، واتزانًا، وقبولًا مجتمعيًا، وبعدًا عن الاستقطاب، وقدرة على أن يكون حاملًا لصوت الأغلبية الصامتة التي لا تجد نفسها ممثلة تمثيلًا كافيًا داخل الاصطفافات القائمة.

وهذا الاتجاه الثالث لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مجرد مساحة بين طرفين، بل بوصفه ضمانة توازن داخل المرجعية الجامعة، وركيزة تصحيح، وعنصر طمأنة. فهو الاتجاه الذي يمكنه أن يعبّر عن المواطن العادي الذي لا يطلب أكثر من الاستقرار، والعدالة، والخدمة، وتمثيلٍ يحترم عقله، وعملٍ عام لا يستهلك قضيته في التنافس على المواقع. وهو، بهذا المعنى، ليس طرفًا ثالثًا فقط، بل مرآة للأغلبية الصامتة التي دفعت أثمان الانقسام، وبقيت أبعد من غيرها عن دوائر القرار.

إن قيمة هذا الاتجاه تكمن في أنه لا ينازع الآخرين على ما يمثلونه، لكنه يمنع أن تبقى المعادلة محصورة بين قوى متقابلة وحدها. وبهذا يصبح شَوكة الميزان داخل المرجعية الجامعة، بحيث لا تميل بالكامل إلى هذا الطرف أو ذاك، بل ترجح كفة الجنوب، والمصلحة العامة، والاستقرار، وتعيد إلى الناس شعورًا بأن هناك من يتحدث بلغتهم، لا فقط بلغة الاصطفافات.

غير أن مثل هذه المرجعية لن يكون لها معنى إذا كانت مجرد تجميع شكلي بين قوى موجودة أصلًا. فلا بد أن تقوم على ميثاق واضح يؤكد الشراكة، ويرفض الإقصاء، ويمنع احتكار الجنوب من أي طرف، ويجعل المسؤولية والمساءلة جزءًا من معنى التمثيل نفسه. كما لا بد أن تفتح المجال الحقيقي للكفاءات المستقلة، والنساء، والشباب، والشخصيات المجتمعية النظيفة، حتى لا يبقى المجال العام محصورًا بين من اعتادوا الحضور وحدهم.

إن الجنوب لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الضجيج، بل إلى صيغة أكثر نضجًا، ولا يحتاج إلى محو قواه، بل إلى جمعها داخل مرجعية أوسع منها، تحفظ التوازن، وتمنح الأغلبية الصامتة مكانها الطبيعي، وتبعث إلى الناس والجوار رسالة واضحة مفادها أن الجنوب قادر على أن ينظم نفسه بصورة أكثر هدوءً ومسؤولية واتساعًا.

وعندما يصبح للأغلبية الصامتة موضع معتبر داخل هذه المعادلة، لا بوصفها جمهورًا ينتظر، بل بوصفها اتجاهًا مرجحًا، عندها فقط يمكن أن يبدأ الانتقال الحقيقي من تعددٍ يربك المشهد إلى تنوعٍ ينفعه، ومن تنافسٍ يستهلك الجنوب إلى مرجعيةٍ أقرب إلى خدمته.

* نائب وزير الخارجية الأسبق