في الجنوب، لا تبدو الحكاية مجرد نزاع على حدود، ولا مجرد خلاف سياسي عابر يمكن حله بابتسامة دبلوماسية وصورة جماعية أمام عدسات الإعلام.
المسألة، بالنسبة لكثير من الناس هنا، أعمق من ذلك بكثير، أعمق من خرائط الأمم المتحدة، وأثقل من بيانات القلق الدولي التي تُكتب بحبر بارد في فنادق مكيفة لا تعرف شيئًا عن حرارة هذا المكان.
هنا، في هذا الركن المزدحم بالتعب والخذلان، لا يتحدث الناس كثيرًا عن "الجغرافيا"، بقدر ما يتحدثون عن الكرامة.
عن الشعور القديم بأنهم كانوا يومًا أصحاب قرار، ثم استيقظوا فجأة ليجدوا أنفسهم مجرد هامش في نشرات الأخبار، أو رقم إضافي في تقارير المبعوثين الدوليين.
منذ سنوات، والعالم يتعامل مع الجنوب كما يتعامل موظف أرشيف مع ملف قديم؛ يفتحه عند الحاجة، ثم يعيده إلى الرف بعناية مملة.
كل شيء مؤجل…
الحقوق مؤجلة، وكذلك الحلول، حتى الأحلام نفسها أصبحت تُمنح للناس بنظام التقسيط السياسي المريح للمجتمع الدولي.
وحين يتحدث الجنوبي عن قضيته، يخرج عليك بعضهم بنبرة الخبير الاستراتيجي المكتشف حديثًا لعبقرية القانون الدولي، وكأن الرجل طلب احتلال كوكب المريخ، لا مجرد استعادة شعوره بأنه ينتمي إلى وطن لا يُدار بعقلية الغنيمة.
الغريب أن العالم نفسه الذي بارك ميلاد عشرات الدول الجديدة، فجأة يتحول إلى فيلسوف حكيم حين يصل الأمر إلى الجنوب.
يحدثونك عن "تعقيدات المرحلة"، وعن "أولوية الاستقرار"، وعن "ضرورة الحوار"، وهي كلمات جميلة جدًا، تشبه تلك العبارات التي يكتبها مدير المدرسة في شهادة الطالب الراسب: "يمتلك قدرات ممتازة، لكنه يحتاج إلى بعض الوقت".
والجنوب، منذ عقود، يعيش داخل هذا "البعض من الوقت".
لكن الحقيقة التي لا يفهمها كثيرون، أن القضية هنا لم تعد مجرد مشروع سياسي لفئة أو حزب أو قيادة، بل تحولت عند الناس إلى شعور عام يشبه الإحساس بالهوية نفسها.
فالإنسان قد يتحمل الفقر، ويتعايش مع الأزمات، ويضحك حتى على انقطاع الكهرباء، لكنه ينهار حين يشعر أن صوته بلا قيمة، وأن تاريخه مجرد تفصيل قابل للحذف في أي تسوية مؤقتة.
لهذا لا يبدو الجنوبي، في نظر نفسه على الأقل، مجرد طرف يطالب بانفصال سياسي، بل إنسان يحاول استعادة تعريفه الخاص لنفسه بعد سنوات طويلة من التشويش والتجريب والفوضى.
وربما لهذا السبب تحديدًا، لا تنطفئ الفكرة رغم كل التعب.
ولا تموت القضية رغم كل الخيبات.
ولا يختفي الحلم رغم هذا الركام الهائل من السياسة الرخيصة.
لأن بعض القضايا لا تعيش بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالدعم الخارجي وحده، بل تعيش لأنها تسكن وجدان الناس ببساطة.
وبين الحلم والسياسة، يبقى الجنوب، بالنسبة لكثير من أبنائه، ليس مجرد أرض مختلف عليها، بل حكاية كرامة تبحث منذ سنوات عن اعتراف.
المسألة، بالنسبة لكثير من الناس هنا، أعمق من ذلك بكثير، أعمق من خرائط الأمم المتحدة، وأثقل من بيانات القلق الدولي التي تُكتب بحبر بارد في فنادق مكيفة لا تعرف شيئًا عن حرارة هذا المكان.
هنا، في هذا الركن المزدحم بالتعب والخذلان، لا يتحدث الناس كثيرًا عن "الجغرافيا"، بقدر ما يتحدثون عن الكرامة.
عن الشعور القديم بأنهم كانوا يومًا أصحاب قرار، ثم استيقظوا فجأة ليجدوا أنفسهم مجرد هامش في نشرات الأخبار، أو رقم إضافي في تقارير المبعوثين الدوليين.
منذ سنوات، والعالم يتعامل مع الجنوب كما يتعامل موظف أرشيف مع ملف قديم؛ يفتحه عند الحاجة، ثم يعيده إلى الرف بعناية مملة.
كل شيء مؤجل…
الحقوق مؤجلة، وكذلك الحلول، حتى الأحلام نفسها أصبحت تُمنح للناس بنظام التقسيط السياسي المريح للمجتمع الدولي.
وحين يتحدث الجنوبي عن قضيته، يخرج عليك بعضهم بنبرة الخبير الاستراتيجي المكتشف حديثًا لعبقرية القانون الدولي، وكأن الرجل طلب احتلال كوكب المريخ، لا مجرد استعادة شعوره بأنه ينتمي إلى وطن لا يُدار بعقلية الغنيمة.
الغريب أن العالم نفسه الذي بارك ميلاد عشرات الدول الجديدة، فجأة يتحول إلى فيلسوف حكيم حين يصل الأمر إلى الجنوب.
يحدثونك عن "تعقيدات المرحلة"، وعن "أولوية الاستقرار"، وعن "ضرورة الحوار"، وهي كلمات جميلة جدًا، تشبه تلك العبارات التي يكتبها مدير المدرسة في شهادة الطالب الراسب: "يمتلك قدرات ممتازة، لكنه يحتاج إلى بعض الوقت".
والجنوب، منذ عقود، يعيش داخل هذا "البعض من الوقت".
لكن الحقيقة التي لا يفهمها كثيرون، أن القضية هنا لم تعد مجرد مشروع سياسي لفئة أو حزب أو قيادة، بل تحولت عند الناس إلى شعور عام يشبه الإحساس بالهوية نفسها.
فالإنسان قد يتحمل الفقر، ويتعايش مع الأزمات، ويضحك حتى على انقطاع الكهرباء، لكنه ينهار حين يشعر أن صوته بلا قيمة، وأن تاريخه مجرد تفصيل قابل للحذف في أي تسوية مؤقتة.
لهذا لا يبدو الجنوبي، في نظر نفسه على الأقل، مجرد طرف يطالب بانفصال سياسي، بل إنسان يحاول استعادة تعريفه الخاص لنفسه بعد سنوات طويلة من التشويش والتجريب والفوضى.
وربما لهذا السبب تحديدًا، لا تنطفئ الفكرة رغم كل التعب.
ولا تموت القضية رغم كل الخيبات.
ولا يختفي الحلم رغم هذا الركام الهائل من السياسة الرخيصة.
لأن بعض القضايا لا تعيش بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالدعم الخارجي وحده، بل تعيش لأنها تسكن وجدان الناس ببساطة.
وبين الحلم والسياسة، يبقى الجنوب، بالنسبة لكثير من أبنائه، ليس مجرد أرض مختلف عليها، بل حكاية كرامة تبحث منذ سنوات عن اعتراف.



















