لم تعد مشكلة الجنوب اليوم في غياب الأفكار، ولا في عدم إدراك حجم الأزمة، فالأحاديث عن التلاقي والتوحد كثيرة، والرغبات المعلنة أكثر. لكن السؤال الحقيقي لم يعد: هل نحتاج إلى رؤية؟ بل أصبح: هل نملك الإرادة لالتقاط ما هو مطروح، وتطويره، والبناء عليه، قبل أن تضيع الفرصة كما ضاعت فرص كثيرة من قبل؟

لقد طُرحت خلال الفترة الماضية وثائق ومبادئ ورؤى، لا باعتبارها نصوصًا نهائية أو حلولًا مفروضة، بل باعتبارها أرضية للنقاش ومحاولة جادة لتنظيم التفكير الجنوبي قبل حوار الرياض، وأثنائه، وما بعده. والهدف لم يكن أن يتفق الجميع على كل تفصيل، بل أن يجد الجنوبيون مساحة مشتركة يبدؤون منها، ويناقشونها، ويعدلونها، أو يقدمون ما هو أفضل منها.

فالوثيقة التي لا تُناقش تبقى نصًّا، أما الوثيقة التي تتحول إلى حوار، فقد تصبح بداية مسار.

إن ما طُرح ليس دعوة إلى إقصاء أحد، ولا إلى تجاوز أي مكون، بل دعوة إلى تنظيم التعدد حتى لا يتحول إلى تشتت، وإلى تحويل الخلاف من سبب للانقسام إلى مادة للحوار، والانتقال من ردود الفعل إلى البناء.

لقد عبّر كثيرون عن تقديرهم للجهد المبذول، ورأى بعضهم فيه خارطة طريق، ووجد آخرون أنه يعبّر عنهم، وتمنى غيرهم ألا تضيع فرصة الاستفادة منه. وهذه المواقف تؤكد أن هناك شعورًا عامًّا بأن الجنوب يحتاج إلى أرضية جامعة، وأن الدخول إلى حوار الرياض من دون ترتيب مسبق قد يكون خطأ مكلفًا.

لكن التقدير وحده لا يكفي، والإعجاب لا يصنع تحولًا، والصمت لا يبني موقفًا.

ما نحتاجه اليوم هو أن تتحول هذه الوثائق، أو أي وثيقة أفضل منها، إلى مادة حوار جاد بين النخب والقيادات والمكونات والشخصيات الوطنية. فإذا وُجد ما هو أفضل، فليُطرح. وإذا كانت هناك ملاحظات، فلتُناقش. وإذا كانت هناك تحفظات، فلتصغ بوضوح ومسؤولية.

إن حوار الرياض، إن جاء، لا ينبغي أن يكون مجرد لقاء آخر يضاف إلى ما سبقه، بل محطة لترتيب الجنوب، وبناء حد أدنى مشترك، وبداية انتقال من الشتات إلى التنظيم، ومن الشعارات إلى المؤسسات، ومن المطالب العامة إلى مشروع قابل للحياة.

والتهيئة للحوار لا تبدأ داخل القاعة، بل قبلها. فمن لا يرتب موقفه قبل الحوار، يجد نفسه مرتبكًا داخله. ومن لا يحدد أولوياته، قد تُفرض عليه أولويات غيره. ومن لا يصنع أرضيته، قد يقف على أرضية لا يملكها.

لذلك، ليس المطلوب أن يتبنى الجميع وثيقة بعينها كما هي، بل أن يبدأ الجميع في التعامل معها، أو مع غيرها، كأرضية قابلة للتطوير. فالمسارات الكبرى لا تبدأ بالكمال، بل تبدأ بالشجاعة، ثم تنضج بالحوار، وتتقوى بالتوافق.

إن من يحب الجنوب حقًّا لا يكتفي بإعلان ذلك، بل يساهم في إنقاذ فرصته عندما تظهر. ومن يؤمن بالتلاقي لا ينتظر الصيغة المثالية، بل يشارك في صناعتها. ومن يدرك عدالة القضية الجنوبية يعرف أن العدالة وحدها لا تكفي إذا لم تُحمَ بتنظيم، وتمثيل، ورؤية، ومؤسسات.

لقد دفع الجنوب ثمنًا باهظًا خلال عقود من الانقسام وسوء الإدارة والصراعات المؤجلة. ولم يعد من الحكمة أن نكرر الخطأ ذاته: قضية عادلة بلا موقف منظم، وتضحيات كبيرة بلا مشروع جامع، وفرصة سياسية بلا استعداد كافٍ.

إن الوثائق المطروحة اليوم ليست نهاية الطريق، بل بدايته. وليست ملكًا لشخص، بل متاحة لكل من يريد أن يقرأ، ويناقش، ويطوّر، ويضيف، أو يطرح ما هو أفضل. والمهم ألا يتحول الاختلاف حول التفاصيل إلى عذر لترك الجنوب بلا رؤية.

فالجنوب اليوم يحتاج إلى مناخ صحي للنقاش، وإلى نخب لا تخاف من الحوار، وقيادات لا تخشى التلاقي، ومكونات تدرك أن قوتها لا تكون في عزل الآخرين، بل في قدرتها على صناعة توافق أوسع.

إذا كانت هذه الوثائق صالحة، فلنناقشها ونطورها، وإذا كانت ناقصة، فلنكملها، وإذا كان لدى أحد ما هو أفضل، فليقدمه.

أما أن نقف جميعًا عند حدود الإعجاب أو الصمت أو التردد، فذلك هو الطريق الأقصر إلى ضياع فرصة أخرى.

إن الجنوب لا يحتاج إلى وثيقة كاملة بقدر ما يحتاج إلى إرادة كاملة، ولا يحتاج إلى اتفاق فوري على كل شيء، بل إلى شجاعة البدء بما يمكن الاتفاق عليه.

فلنحوّل الوثائق إلى نقاش، والنقاش إلى تقارب، والتقارب إلى أرضية، والأرضية إلى حضور منظم في حوار الرياض وما قبله وما بعده.

فالفرص لا تضيع دائمًا لأن الخصوم أقوى، بل تضيع أحيانًا لأن أصحابها تأخروا في التقاطها.

* نائب وزير الخارجية الأسبق