مع تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، يعود أمن الممرات البحرية إلى واجهة المشهد كأحد أخطر أدوات الضغط في العالم. فالمسألة لم تعد مجرد تهديدات عسكرية، بل احتمال خنق شرايين التجارة الدولية نفسها.

يمر نحو خُمس إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، فيما يعبر ما بين 6 إلى 7 ملايين برميل يوميًا من باب المندب، إلى جانب قرابة عُشر التجارة العالمية. أي اضطراب في هذين الممرين لا يُعد أزمة عابرة، بل زلزالًا اقتصاديًا يمتد أثره من أسواق الطاقة إلى سلاسل الإمداد العالمية.

في مثل هذه اللحظات، تستعيد الجغرافيا سلطتها القديمة. لا السياسة وحدها، ولا التحالفات، بل الموقع أولًا. وهنا، تخرج الموانئ الواقعة خارج بؤر التوتر المباشر من الهامش إلى الواجهة، بوصفها بدائل اضطرارية لا رفاهية فيها.

ضمن هذا السياق، تبرز الموانئ اليمنية، وعلى رأسها ميناء عدن، كاحتمال استراتيجي مؤجل. فالميناء يمتلك ميزة نادرة: موقع خارج الخليج، وقريب في الوقت نفسه من خطوط الملاحة الدولية. هذه المعادلة تضعه نظريًا في موقع مناسب ليكون نقطة إعادة توزيع للشحنات إذا ما تعطلت حركة المرور عبر الخليج.

في حال إغلاق مضيق هرمز، أو حتى تعطيله جزئيًا أو حدوث أي إرباك في مرور سفن الشحن ، ستبحث شركات الشحن عن تقليل المخاطر، عبر تفريغ حمولاتها في موانئ أقرب وأكثر أمانًا، ثم إعادة توجيهها إلى وجهاتها النهائية. هذا النموذج، المعروف بإعادة الشحن، قد يمنح عدن فرصة للتحول إلى عقدة لوجستية إقليمية.

ورغم أن قدراته الحالية لا تزال محدودة جدا وبل متواضعة ، فإن تطويره ليتعامل مع ما بين مليون إلى مليون ونصف حاوية سنويًا يظل هدفًا ممكنًا، خاصة إذا ما قورن بموانئ إقليمية أكبر. الفرصة ليست في منافسة الكبار فورًا، بل في اقتناص اللحظة عندما تضطرب القواعد التقليدية.

ولا تقف الإمكانات عند عدن وحدها. فموانئ المكلا ونشطون يمكن أن تلعب أدوارًا مكملة، مستفيدة من موقعها على بحر العرب وقربها من خطوط الملاحة المفتوحة. كما أن أي اضطراب في صادرات النفط عبر الخليج قد يدفع بعض الدول للبحث عن بدائل خارج المنطقة، حتى وإن كانت أكثر كلفة، وهو ما يعزز من أهمية السواحل اليمنية الشرقية كمناطق محتملة للتخزين أو التصدير المؤقت.

إلى جانب ذلك، قد تعود الأدوار التقليدية للموانئ إلى الواجهة. فقد كانت عدن محطة رئيسية لتزويد السفن بالوقود، ومع تزايد المخاطر في بعض الممرات، قد تبحث السفن عن نقاط أكثر أمانًا للحصول على الخدمات، وهو ما يعيد إحياء وظائف اقتصادية طال غيابها لأسباب يطول شرحها في هذا المقام .

لكن كل هذه السيناريوهات تصطدم بحقيقة لا يمكن تجاوزها. فالموانئ لا تعمل في فراغ، ولا يكفي الموقع وحده لصناعة الفرص. فأي تحول حقيقي يبدأ من الاستقرار الأمني، ويمر عبر استثمارات جادة في البنية التحتية، يبدء من تعميق الأرصفة إلى تحديث المعدات وربط الموانئ بشبكات نقل فعالة.

ثم يأتي عامل الإدارة. فالفارق بين ميناء هامشي وآخر منافس إقليمي غالبًا ما تصنعه كفاءة التشغيل، والشراكات مع مشغلين دوليين قادرين على إدماجه في الشبكات العالمية.

في المقابل، تظل كلفة المخاطر عاملًا حاسمًا. فارتفاع أقساط التأمين في مناطق التوتر قد يدفع شركات الشحن إلى تفضيل موانئ أكثر استقرارًا، حتى وإن كانت أبعد. وهذا يعني أن الفرصة ليست مضمونة، بل مشروطة بقدرة الدولة على تقليل مخاطره الداخلية قبل أي شيء آخر.

المفارقة أن اليمن، الذي يقف اليوم (على هامش) النظام التجاري العالمي، قد يجد نفسه فجأة في موقع متقدم إذا اختنقت الممرات التقليدية. لكن بين الإمكان والواقع فجوة كبيرة.

الجغرافيا قد تفتح الباب، لكنها لا تُدخل أحدًا. وحدها الدولة القادرة هي من تحوّل الموقع إلى قوة، والفرصة إلى واقع. وحتى يحدث ذلك، ستبقى عدن تنتظر… لا أكثر.