> كتب/ المراقب السياسي:

  • المجلس الانتقالي لايزال الحامل السياسي الأبرز لقضية الجنوب
  • الواقع تجاوز الترتيبات المؤقتة والصفقات العابرة
  • القضية الجنوبية معاناة وجرح مفتوح وليست شعارات
  • وعي الجنوبيين أصبح أقوى من الاحتواء وتبدل الولاءات
  • الجنوب يعيش اليوم مرحلة فرز هادئة لكنها عميقة
>ما يزال المجلس الانتقالي الجنوبي، ومجلس حضرموت الجامع، وحلف قبائل حضرموت، والمجلس العام لأبناء المهرة وسقطرى، حاضرين في وجدان أبناء الجنوب كافة، لا بوصفهم كيانات سياسية عابرة، ولا أصواتًا ظرفية فرضتها لحظة الصراع، بل باعتبارهم تعبيرات سياسية واجتماعية عن حالة جنوبية متجذرة، وامتدادًا لصوت داخلي كامن ظل يتشكل في الوعي الجمعي الجنوبي عبر سنوات طويلة من المعاناة والتهميش والبحث عن الذات والهوية والمصير.

هذه المكونات، على اختلاف مسمياتها ومساحات حضورها الجغرافي والسياسي، تلتقي في نقطة جوهرية واحدة: أنها تعبر، بدرجات متفاوتة، عن نبض الجنوب من داخله. فالمجلس الانتقالي الجنوبي يمثل الحامل السياسي الأبرز لقضية الجنوب، ومجلس حضرموت الجامع يعبر عن خصوصية حضرموت ووزنها التاريخي والاقتصادي والاجتماعي، وحلف قبائل حضرموت يجسد عمقًا قبليًّا واجتماعيًّا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة جنوبية، فيما يحضر المجلس العام لأبناء المهرة وسقطرى بوصفه صوتًا للخصوصية الشرقية والجُزر ضمن الفضاء الجنوبي الأوسع.

وإذا كان الخارج ينظر إلى الجنوب من زاوية التحالفات، وموازين القوى، وحسابات المصالح الإقليمية والدولية، فإن الداخل يراه بصورة أخرى أشد عمقًا وصدقًا. في الداخل، ليست القضية الجنوبية شعارًا يرفع في المناسبات، ولا ورقة تفاوضية تستخدم عند الحاجة، بل ذاكرة ومعاناة وتجربة وجرح مفتوح.

ولهذا فإن كل محاولة لاختزال الجنوب في ترتيبات مؤقتة، أو في معادلات سلطة داخل الشرعية، أو في صفقات سياسية عابرة، تظل محاولة قاصرة عن فهم التحول الكبير الذي جرى في وجدان الجنوبيين خلال العقود الماضية.

في قلب كل جنوبي، بصورة أو بأخرى، يقيم نزوع واضح إلى استعادة الذات الجنوبية. قد تختلف اللغة السياسية، وقد تتباين أساليب التعبير، وقد يتفاوت سقف المطالب من منطقة إلى أخرى ومن مكون إلى آخر، لكن الشعور العميق بالانتماء إلى الجنوب ككيان وهوية ومصير لم يعد أمرًا هامشيًّا أو قابلًا للإلغاء. وحتى أولئك الذين يظهرون اليوم في مواقع داعمة للوحدة داخل مؤسسات الشرعية، أو يتحدثون بلغة التوازنات والممكن السياسي، يدركون في قرارة أنفسهم أن الأرض التي يقفون عليها جنوبية الوجدان، وأن لحظة فاصلة قد تأتي ليعلنوا فيها ما يؤجلون التصريح به.

وليس هذا الوعي الجنوبي مجرد خطاب سياسي أو عاطفة جمعية، بل تؤكده التجربة الميدانية القريبة. فقد جرى تحرير الجنوب من الحوثيين ومن تنظيم القاعدة بأيدٍ جنوبية خالصة، وفي فترة وجيزة لم تتجاوز أشهرًا قليلة، وبدعم من التحالف العربي بالسلاح والإسناد. وللتدليل على الفارق، فإن أضعاف هذا الدعم قُدمت لقوى الشمال، ومع ذلك لم تتمكن من تحرير صنعاء بعد أكثر من عشر سنوات.

وهذه المقارنة لا تستهدف الانتقاص من أحد، بقدر ما تكشف أن إرادة الأرض حين تتطابق مع وعي أهلها تصبح قوة حاسمة، وأن الجنوب حين قاتل دفاعًا عن أرضه وهويته كان يعرف لماذا يقاتل، ولمن يقاتل، وإلى أين يريد أن يصل.

غير أن أخطر ما ينبغي التنبيه إليه في هذه المرحلة أن الثورات، على مدى التاريخ، لا تصنعها الحسابات الضيقة، ولا المزاج السياسي العابر، ولا رغبات النخب وحدها، بل يصنعها الوعي الجامع للأمة حين يبلغ لحظة النضج. وحين يتشكل هذا الوعي في أعماق الناس، يصبح أقوى من محاولات الاحتواء، وأعمق من الترتيبات الفوقية، وأبقى من تبدل المواقف والولاءات.

لذلك فإن أي قيادة جنوبية لا تنصت إلى هذا الوعي الجمعي، ولا تحترم طبيعته الجامعة، ولا تعمل على تنظيمه وحمايته، قد تجد نفسها خارج مسار اللحظة التاريخية التي ظنت أنها تقودها.

ولن يكون إعلان أي شخصية أو قوة جنوبية انحيازها الواضح إلى حق الجنوب في تقرير مصيره خروجًا مفاجئًا على السياق، بل عودة إلى حقيقة يعرفها الشارع الجنوبي جيدًا. فالداخل الجنوبي، رغم ما يعيشه من أزمات معيشية وخدمات منهارة وصراعات نفوذ، لم يفقد بوصلته في المسألة الكبرى.

إنه يفرق بين نقد الأداء السياسي لهذا المجلس أو ذاك، وبين التخلي عن جوهر القضية. وقد يختلف الجنوبيون مع قياداتهم، وقد ينتقدون خياراتها وتحالفاتها، لكن ذلك لا يعني أنهم عادوا إلى مربعات ما قبل الوعي الجنوبي.

إن الترحيب الجنوبي بأي شخصية أو قوة تعلن بوضوح انحيازها إلى حق الجنوب في تقرير مصيره سيكون ترحيبًا طبيعيًّا، لا لأنه يمحو الماضي أو يلغي الأخطاء، بل لأنه يعترف بحقيقة راسخة في الداخل. فالجنوب ليس مغلقًا على أحد، ولا تحتكر قضيته جهة واحدة، لكنه في الوقت نفسه لم يعد قابلًا لأن يعاد تعريفه من خارج إرادة أبنائه، أو أن يتحول إلى مساحة مفتوحة للمساومات التي تتجاهل وعي الناس وتضحياتهم.

المسألة اليوم ليست في وجود الصوت الجنوبي من عدمه؛ فهذا الصوت موجود، عميق، وممتد. المسألة في القدرة على تنظيمه، وتوحيده، وحمايته من التشتت، ومن محاولات الاستغلال، ومن تحويل التنوع الجنوبي إلى تناقضات مدمرة. فالمجلس الانتقالي الجنوبي، ومجلس حضرموت الجامع، وحلف قبائل حضرموت، والمجلس العام لأبناء المهرة وسقطرى، أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز مجرد التعبير السياسي إلى بناء جسور جنوبية داخلية تجعل من اختلاف الخصوصيات مصدر قوة لا بابًا للانقسام.

ومن هنا، فإن التحذير الواجب اليوم هو أن الوعي الجنوبي الجامع إذا لم يجد إطارًا سياسيًّا مسؤولًا يحسن تمثيله، ويحفظ وحدته، ويصون تعدده، فإنه قد يفرض مساره بطرق لا تستطيع النخب التحكم بها. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم حين تستيقظ في وجدانها العميق، لا تعود إلى الوراء بسهولة، وأن القوى التي تتجاهل صوت الداخل تخسر في النهاية قدرتها على قيادة التحولات الكبرى.

والخلاصة أن الجنوب يعيش اليوم مرحلة فرز هادئة لكنها عميقة. هناك من أعلن موقفه، وهناك من يؤجله، وهناك من ينتظر اللحظة المناسبة. لكن المؤكد أن الوجدان الجنوبي في الداخل سبق كثيرًا من الحسابات السياسية، وأن أي قراءة لا تبدأ من هذه الحقيقة ستبقى قراءة ناقصة. فالجنوب، قبل أن يكون ملفاً على طاولة المفاوضات، هو إحساس راسخ في قلوب أبنائه، وصوت الداخل هو الذي سيبقى الأصدق والأبقى.