في خضم التحولات السياسية والعسكرية التي يشهدها الجنوب، وبعد الأحداث الأخيرة التي أعادت رسم ملامح المشهد، وما رافقها من تغييرات في خارطة الشراكة داخل ما تُسمى بحكومة الشرعية، يجد أبناء الجنوب أنفسهم أمام مرحلة حساسة تتطلب قدرًا عاليًا من الحكمة والمسؤولية الوطنية، بعيدًا عن الانفعال، وبعيدًا عن لغة التخوين التي لم تنتج طوال السنوات الماضية سوى المزيد من الانقسام والاستنزاف.

إن الإخوة الذين كانوا يومًا جزءًا من الحراك الجنوبي أو المجلس الانتقالي الجنوبي أو الثورة الجنوبية، وأصبحوا اليوم ضمن مؤسسات الحكومة في مواقع سياسية وتنفيذية وأمنية وعسكرية، تقع على عاتقهم مسؤولية كبيرة أمام الناس والتاريخ. فوجودهم في هذه المواقع يجب أن يتحول إلى فرصة لخدمة المواطن الجنوبي والتخفيف من معاناته، لا إلى بوابة لصراعات جديدة أو تموضعات تستفز الشارع الجنوبي وتعمّق حالة الاحتقان.

المرحلة اليوم لا تحتاج فقط إلى رجال دولة، بل تحتاج أيضًا إلى رجال ثورة. رجال الدولة الذين اختاروا العمل داخل مؤسسات ما تُسمى بالشرعية، عليهم أن يثبتوا للناس أن وجودهم هناك هدفه خدمة الإنسان الجنوبي وتحسين أوضاعه المعيشية والخدمية والأمنية، وأن يكونوا نموذجًا للمسؤول الشريف والنزيه الذي يضع معاناة شعبه فوق أي حسابات سياسية أو مصالح ضيقة. أما رجال الثورة، فعليهم أن يواصلوا العمل السياسي والوطني والنضالي بمسؤولية ووعي، وأن يحافظوا على القضية الجنوبية حية في وجدان الناس حتى تحقيق تطلعات شعب الجنوب في استعادة دولته كاملة السيادة.

فالجنوب لا يمكن أن ينتصر إذا تحولت مكوناته إلى جبهات صراع داخلي، ولا إذا انشغل أبناؤه بتبادل الاتهامات والتخوين. الاختلاف في الوسائل أو المواقع لا يعني بالضرورة التخلي عن القضية أو التفريط بها، فالكثير من الجنوبيين قد يختلفون في طريقة إدارة المرحلة، لكنهم يلتقون عند الهدف الوطني الكبير المرتبط بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته.

ومن الخطأ أن يتحول كل من اختار مسارًا مختلفًا إلى "خائن" في نظر البعض، كما أنه من الخطأ أيضًا أن يستفز أي مسؤول جنوبي الشارع أو يتنكر لتضحيات الناس وقضيتهم الوطنية. المطلوب اليوم هو التهدئة، والعقلانية، واحترام مشاعر الجماهير، والعمل من كل المواقع لخدمة الجنوب وأهله، لأن المواطن البسيط لم يعد يعنيه من يحكم بقدر ما يعنيه أن يعيش بكرامة، وأن يجد كهرباء وماءً وأمنًا ورواتب وخدمات تحفظ له حقه الإنساني.

إن القوى الأخرى تنظر إلى الجنوبيين باعتبارهم أصحاب قضية واحدة، حتى وإن اختلفت اتجاهاتهم المرحلية، ولذلك فإن أي صراع داخلي لن يخدم سوى من يريد إنهاك الجنوب وإضعاف قضيته. ولهذا فإن الحكمة الوطنية تفرض على الجميع الابتعاد عن معارك الكسر والإلغاء، وعدم تحويل الخلاف السياسي إلى عداء وجودي بين أبناء البيت الجنوبي الواحد.

دعونا نترك مساحة لكل من يعمل بإخلاص، سواء كان في موقع دولة أو في موقع ثورة. فالدولة تحتاج رجالًا يحمون الناس من الانهيار، والثورة تحتاج رجالًا يحافظون على الحلم الوطني من الضياع. وعندما يكون الهدف النهائي حاضرًا في ضمير الجميع، فإن الطرق المختلفة قد تلتقي يومًا عند محطة وطنية واحدة تحقق لشعب الجنوب ما ينشده من حرية وكرامة واستعادة دولته.

فالجنوب اليوم بحاجة إلى التكاتف أكثر من حاجته إلى الصراع، وإلى خطاب يوحد الناس لا يمزقهم، لأن المعبد إذا انهار فلن يسقط على طرف دون آخر، بل على الجميع، ولأن كل جنوبي، مهما اختلف موقعه أو اجتهاده السياسي، يبقى في النهاية ابنًا لهذه الأرض وقضيتها الكبرى.