"يمكن تفنيد مبادرة أبوبكر القربي وباسل باوزير من عدة زوايا سياسية وقانونية وتاريخية، وبرغم الملمس الناعم التي صيغت بها الورقة – لكنها لا تخرج في جوهرها عن عقلية تذاكي ومغالطة لإعادة إنتاج وتعقيد الأزمة اليمنية نفسها، عبر محاولة الإنكار والالتفاف على حقيقة الصراع القائم بين الشمال والجنوب منذ عام 1994 وما قبله، والتي تعمّقت بعد 2015، والمتمثلة بوجود شعبين وقضيتين ومسارين سياسيين مختلفين، لا مجرد "اختلال إداري" داخل دولة واحدة.
إن ما طُرح تحت عنوان "الإدارة الذاتية للمحافظات اليمنية" يبدو في ظاهره مشروعاً للإصلاح، لكنه في جوهره محاولة سياسية لإعادة تدوير مشروع الوحدة المنتهي الصلاحية بصيغ وسرديات احتيالية جديدة، بعد سقوطها وهي سرديات للأسف تعود على ترديدها أغلب مثقفي ونخب الشمال إلا من رحم ربي .
فالمبادرة لا تنطلق من الاعتراف بالقضية الجنوبية باعتبارها قضية شعب ودولة وهوية تعرضت للاجتياح والاحتلال والإلغاء، وإنما تتعامل مع الجنوب باعتباره مجرد "محافظات" داخل بنية يمنية واحدة، وكأن الجنوب لا يحتاج أكثر من قدر من اللامركزية الإدارية لتخفيف الاحتقان، وهنا تكمن الإشكالية الجوهرية.
متناسين أن الجنوب لم يخرج في 2007 ثم في 2015 مطالبًا بتحسين قانون السلطة المحلية أو توسيع صلاحيات المحافظين، وإنما خرج باعتباره شعبًا يسعى لاستعادة دولته التي كانت قائمة ومعترفاً بها دولياً حتى عام 1990. وبالتالي فإن أي مقاربة تتجاوز هذه الحقيقة، وتحاول القفز فوق حق تقرير المصير، ليست حلاً وإنما إعادة إنتاج للأزمة بصياغات جديدة.
سياسيًّا، تقوم الورقة على عقلية الوصاية التقليدية التي ترى أن النخب الشمالية هي التي تقرر شكل الحلول ومداها وسقفها، بينما يُطلب من الجنوب القبول بما يُمنح له من صلاحيات داخل "الدولة اليمنية". وهذه المقاربة تعكس استمرار العقلية التي حكمت العلاقة منذ الوحدة، وهي عقلية الضم والإلحاق لا الشراكة الندية.
كما أن الحديث عن "الحفاظ على وحدة اليمن" باعتباره نقطة انطلاق غير قابلة للنقاش، يعني عملياً مصادرة حق شعب الجنوب في تقرير مصيره مسبقاً، وتحويل أي حوار إلى نقاش داخل سقف محدد سلفًا. وهذا يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة السياسية، لأن الحلول الحقيقية لا تُبنى على فرض النتائج قبل بدء الحوار.
أما قانونيًّا، فإن الورقة تتجاهل حقيقة أن الوحدة اليمنية نفسها قامت باتفاق سياسي بين دولتين مستقلتين ذواتي سيادة، هما جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية، وليست عملية اندماج داخلي بين محافظات. وعندما تم إسقاط تلك الشراكة بالقوة في حرب 1994، فإن ذلك أدى عملياً إلى انهيار العقد السياسي الذي قامت عليه الوحدة. ومن ثم فإن الجنوب يمتلك، وفقاً لقواعد القانون الدولي ومبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، أساساً قانونياً وأخلاقياً للمطالبة باستعادة دولته.
كما أن تحويل الجنوب إلى مجرد "محافظات ذات إدارة محلية" يتناقض مع حقيقة وجود قضية سياسية معترف بها إقليمياً ودولياً تحت مسمى "القضية الجنوبية"، والتي كانت حاضرة في مؤتمر الحوار وفي كل مسارات التفاوض اللاحقة من اجتماع الرياض 2019 إلى اتفاق نقل السلطة 2022 وبالتالي فإن اختزالها إلى مسألة إدارية أو خدمية يمثل التفافاً سياسياً على أصل المشكلة، وهو امر مرفوض جملة وتفصيلا.
ومن الناحية الواقعية، فإن التجربة أثبتت أن كل الصيغ التي حاولت الحفاظ على الوحدة بالقوة أو بالمناورات السياسية فشلت، لأن الأزمة ليست أزمة صلاحيات إدارية، بل أزمة هوية وسيادة وتمثيل سياسي. فالشعب الجنوبي اليوم يمتلك مؤسسات سياسية وعسكرية وأمنية ووعياً وطنياً متراكماً، ولم يعد يقبل العودة إلى أي صيغة تعيد إنتاج التبعية السابقة مهما تغيرت التسميات وسوف يعمل على مقاومتها والتصدي لها بكل الوسائل .
إن الأمن والاستقرار الحقيقيين في المنطقة لن يتحققا عبر إنكار الواقع أو محاولة تجميل أو تسويق مشاريع قديمة بعبارات حديثة، وإنما عبر الاعتراف الصريح بأن هناك شعبًا جنوبيًا له حق مشروع في تقرير مصيره واختيار مستقبله بحرية، وأن العلاقة المستقبلية بين الجنوب والشمال يجب أن تُبنى على قاعدة الاحترام المتبادل وحسن الجوار والمصالح المشتركة، لا على الهيمنة أو الوصاية أو إعادة إنتاج المركزية المقنعة والبضاعة منتهية الصلاحية.
فالسلام الدائم لا يُبنى على إنكار الحقائق التاريخية والجغرافية والسياسية، بل على الاعتراف بها والتعامل معها بشجاعة ومسؤولية. وربما تكون أفضل صيغة لضمان الاستقرار والتعايش بين الشعبين في الجنوب والشمال هي وجود دولتين جارتين متعاونتين، تربطهما المصالح والاحترام المتبادل.
إن الأمن والاستقرار الحقيقيين في اليمن والمنطقة لن يتحققا عبر إنكار الواقع أو محاولة تجميل وتسويق مشاريع قديمة بعبارات جديدة، وإنما عبر الاعتراف الصريح بأن هناك شعبًا جنوبيًا يمتلك حقه المشروع في تقرير مصيره واختيار مستقبله بحرية، وأن أي علاقة مستقبلية بين الجنوب والشمال يجب أن تقوم على أسس الاحترام المتبادل وحسن الجوار والمصالح المشتركة، لا على الهيمنة أو الوصاية أو إعادة إنتاج الأزمات بصيغ مختلفة.
فالسلام الدائم لا يُبنى على فرض الوقائع بالقوة أو تجاهل التحولات التاريخية والسياسية، بل على الاعتراف بها والتعامل معها بعقلانية ومسؤولية. ومن هنا، فإن الإصرار على التمسك بوحدة فقدت مقومات بقائها في الوعي والوجدان الجنوبي لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع وتعميق حالة الانقسام والكراهية. فالوحدة، بوصفها منتح وتجربة سياسية بشرية، ليست مفهوماً مقدساً أو قدراً أبدياً، وإنما مشروع يقوم على الرضا والشراكة والقبول المتبادل، وحين يفقد هذه الأسس يصبح من حق الشعوب البحث عن صيغ أخرى أكثر عدالة واستقراراً وقدرة على تلبية تطلعاتها الوطنية. وهذا، في جوهره، ما يسعى إليه الجنوبيون اليوم باعتباره حقاً مشروعاً تكفله مبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
إن ما طُرح تحت عنوان "الإدارة الذاتية للمحافظات اليمنية" يبدو في ظاهره مشروعاً للإصلاح، لكنه في جوهره محاولة سياسية لإعادة تدوير مشروع الوحدة المنتهي الصلاحية بصيغ وسرديات احتيالية جديدة، بعد سقوطها وهي سرديات للأسف تعود على ترديدها أغلب مثقفي ونخب الشمال إلا من رحم ربي .
فالمبادرة لا تنطلق من الاعتراف بالقضية الجنوبية باعتبارها قضية شعب ودولة وهوية تعرضت للاجتياح والاحتلال والإلغاء، وإنما تتعامل مع الجنوب باعتباره مجرد "محافظات" داخل بنية يمنية واحدة، وكأن الجنوب لا يحتاج أكثر من قدر من اللامركزية الإدارية لتخفيف الاحتقان، وهنا تكمن الإشكالية الجوهرية.
متناسين أن الجنوب لم يخرج في 2007 ثم في 2015 مطالبًا بتحسين قانون السلطة المحلية أو توسيع صلاحيات المحافظين، وإنما خرج باعتباره شعبًا يسعى لاستعادة دولته التي كانت قائمة ومعترفاً بها دولياً حتى عام 1990. وبالتالي فإن أي مقاربة تتجاوز هذه الحقيقة، وتحاول القفز فوق حق تقرير المصير، ليست حلاً وإنما إعادة إنتاج للأزمة بصياغات جديدة.
سياسيًّا، تقوم الورقة على عقلية الوصاية التقليدية التي ترى أن النخب الشمالية هي التي تقرر شكل الحلول ومداها وسقفها، بينما يُطلب من الجنوب القبول بما يُمنح له من صلاحيات داخل "الدولة اليمنية". وهذه المقاربة تعكس استمرار العقلية التي حكمت العلاقة منذ الوحدة، وهي عقلية الضم والإلحاق لا الشراكة الندية.
كما أن الحديث عن "الحفاظ على وحدة اليمن" باعتباره نقطة انطلاق غير قابلة للنقاش، يعني عملياً مصادرة حق شعب الجنوب في تقرير مصيره مسبقاً، وتحويل أي حوار إلى نقاش داخل سقف محدد سلفًا. وهذا يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة السياسية، لأن الحلول الحقيقية لا تُبنى على فرض النتائج قبل بدء الحوار.
أما قانونيًّا، فإن الورقة تتجاهل حقيقة أن الوحدة اليمنية نفسها قامت باتفاق سياسي بين دولتين مستقلتين ذواتي سيادة، هما جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية، وليست عملية اندماج داخلي بين محافظات. وعندما تم إسقاط تلك الشراكة بالقوة في حرب 1994، فإن ذلك أدى عملياً إلى انهيار العقد السياسي الذي قامت عليه الوحدة. ومن ثم فإن الجنوب يمتلك، وفقاً لقواعد القانون الدولي ومبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، أساساً قانونياً وأخلاقياً للمطالبة باستعادة دولته.
كما أن تحويل الجنوب إلى مجرد "محافظات ذات إدارة محلية" يتناقض مع حقيقة وجود قضية سياسية معترف بها إقليمياً ودولياً تحت مسمى "القضية الجنوبية"، والتي كانت حاضرة في مؤتمر الحوار وفي كل مسارات التفاوض اللاحقة من اجتماع الرياض 2019 إلى اتفاق نقل السلطة 2022 وبالتالي فإن اختزالها إلى مسألة إدارية أو خدمية يمثل التفافاً سياسياً على أصل المشكلة، وهو امر مرفوض جملة وتفصيلا.
ومن الناحية الواقعية، فإن التجربة أثبتت أن كل الصيغ التي حاولت الحفاظ على الوحدة بالقوة أو بالمناورات السياسية فشلت، لأن الأزمة ليست أزمة صلاحيات إدارية، بل أزمة هوية وسيادة وتمثيل سياسي. فالشعب الجنوبي اليوم يمتلك مؤسسات سياسية وعسكرية وأمنية ووعياً وطنياً متراكماً، ولم يعد يقبل العودة إلى أي صيغة تعيد إنتاج التبعية السابقة مهما تغيرت التسميات وسوف يعمل على مقاومتها والتصدي لها بكل الوسائل .
إن الأمن والاستقرار الحقيقيين في المنطقة لن يتحققا عبر إنكار الواقع أو محاولة تجميل أو تسويق مشاريع قديمة بعبارات حديثة، وإنما عبر الاعتراف الصريح بأن هناك شعبًا جنوبيًا له حق مشروع في تقرير مصيره واختيار مستقبله بحرية، وأن العلاقة المستقبلية بين الجنوب والشمال يجب أن تُبنى على قاعدة الاحترام المتبادل وحسن الجوار والمصالح المشتركة، لا على الهيمنة أو الوصاية أو إعادة إنتاج المركزية المقنعة والبضاعة منتهية الصلاحية.
فالسلام الدائم لا يُبنى على إنكار الحقائق التاريخية والجغرافية والسياسية، بل على الاعتراف بها والتعامل معها بشجاعة ومسؤولية. وربما تكون أفضل صيغة لضمان الاستقرار والتعايش بين الشعبين في الجنوب والشمال هي وجود دولتين جارتين متعاونتين، تربطهما المصالح والاحترام المتبادل.
إن الأمن والاستقرار الحقيقيين في اليمن والمنطقة لن يتحققا عبر إنكار الواقع أو محاولة تجميل وتسويق مشاريع قديمة بعبارات جديدة، وإنما عبر الاعتراف الصريح بأن هناك شعبًا جنوبيًا يمتلك حقه المشروع في تقرير مصيره واختيار مستقبله بحرية، وأن أي علاقة مستقبلية بين الجنوب والشمال يجب أن تقوم على أسس الاحترام المتبادل وحسن الجوار والمصالح المشتركة، لا على الهيمنة أو الوصاية أو إعادة إنتاج الأزمات بصيغ مختلفة.
فالسلام الدائم لا يُبنى على فرض الوقائع بالقوة أو تجاهل التحولات التاريخية والسياسية، بل على الاعتراف بها والتعامل معها بعقلانية ومسؤولية. ومن هنا، فإن الإصرار على التمسك بوحدة فقدت مقومات بقائها في الوعي والوجدان الجنوبي لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع وتعميق حالة الانقسام والكراهية. فالوحدة، بوصفها منتح وتجربة سياسية بشرية، ليست مفهوماً مقدساً أو قدراً أبدياً، وإنما مشروع يقوم على الرضا والشراكة والقبول المتبادل، وحين يفقد هذه الأسس يصبح من حق الشعوب البحث عن صيغ أخرى أكثر عدالة واستقراراً وقدرة على تلبية تطلعاتها الوطنية. وهذا، في جوهره، ما يسعى إليه الجنوبيون اليوم باعتباره حقاً مشروعاً تكفله مبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.



















