في عدن، لم يعد السؤال: ماذا يريد المواطن؟ سؤالًا عابرًا يمكن الإجابة عنه بجملة مختصرة، بل تحوّل إلى مرآة تعكس واقعًا معقدًا تختلط فيه السياسة بالمعيشة، والشعارات بالاحتياجات اليومية. هنا، لا يطلب الناس ترفًا، ولا يسعون إلى أحلام بعيدة المنال، بل يختصرون مطالبهم في شيء يبدو بديهيًا في أي مكان آخر: أن يعيشوا حياة طبيعية.

الكهرباء في عدن لم تعد خدمة، بل قضية. والماء لم يعد موردًا، بل هاجسًا يوميًا. أما الرواتب، فقد تحوّلت من حقٍ مكتسب إلى أملٍ مؤجل. في ظل هذه التفاصيل الثقيلة، يصبح الحديث عن المشاريع الكبرى أو التحولات السياسية رفاهية لا تجد مكانًا في أولويات المواطن الذي يبدأ يومه بسؤال بسيط: كيف سأمضي هذا اليوم؟

المفارقة أن المدينة التي كانت يومًا ما نموذجًا للحياة المدنية المنظمة، تجد نفسها اليوم أمام تحديات تعيد تعريف أبسط معاني الاستقرار. فالأمن، الذي يُفترض أن يكون حالة دائمة، بات مطلبًا بحد ذاته. والإدارة، التي يفترض أن تكون أداة لخدمة الناس، أصبحت في نظر كثيرين جزءًا من المشكلة، لا الحل.

ورغم ذلك، لا يمكن فصل هذه المعاناة عن السياق السياسي الأوسع. فعدن تقف في قلب معادلة معقدة، تتداخل فيها مشاريع ورؤى مختلفة حول المستقبل. لكن ما يميز المزاج العام للمواطن العدني اليوم هو تحوّل لافت: تراجع الاهتمام بالشعارات الكبرى مقابل تصاعد التركيز على النتائج الملموسة. لم يعد السؤال: من يحكم؟ بل: كيف نعيش؟

هذا التحول لا يعني غياب الوعي السياسي، بل يعكس نضجًا فرضته الظروف. فالمواطن الذي يفتقد الكهرباء والماء والأمن، لن يجد في الخطابات السياسية عزاءً، مهما كانت قوتها أو بريقها. إنه يريد سلطة—أيًا كان شكلها—قادرة على أن تقدّم له الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

إن التحدي الحقيقي أمام أي مشروع في عدن اليوم لا يكمن في كسب التأييد السياسي بقدر ما يكمن في القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية للناس. فشرعية الواقع تُبنى من الخدمات، وتُرسّخها القدرة على إدارة المدينة بكفاءة وعدالة.

في نهاية المطاف، لا يبدو أن المواطن العدني يطلب المستحيل. إنه فقط يريد أن تعود الحياة إلى طبيعتها، وأن تتحول المدينة من ساحة للأزمات إلى مساحة للعيش. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحًا: من يملك القدرة—والإرادة—لتحويل هذا المطلب البسيط إلى واقع؟

لأن في عدن، لم تعد الحياة أمرًا مسلمًا به… بل أصبحت مشروعًا ينتظر من ينجزه.