في الحادي والعشرين من مايو 1994، وقف علي سالم البيض أمام لحظة مفصلية في تاريخ الجنوب واليمن عمومًا، معلنًا فك الارتباط وإنهاء مشروع الوحدة اليمنية بصيغتها التي قامت في 22 مايو 1990، بعد أن تحولت من مشروع شراكة سياسية متكافئة إلى هيمنة بالقوة وإقصاء للشريك الجنوبي من مؤسسات الدولة والقرار والثروة. لم يكن ذلك الإعلان حدثًا عابرًا في سياق أزمة سياسية طارئة، بل جاء نتيجة تراكمات عميقة من الخلافات والاغتيالات والتوترات العسكرية التي انفجرت في حرب صيف 1994، لتصبح تلك اللحظة رمزًا سياسيًا حاضرًا في الوعي الجنوبي حتى اليوم.
لقد دخل الجنوب الوحدة اليمنية وهو يحمل مشروع دولة ومؤسسات وتجربة سياسية مختلفة، على أمل بناء دولة حديثة تقوم على الشراكة والتعددية واحترام الخصوصية السياسية والاجتماعية للطرفين. غير أن السنوات الأربع الأولى من الوحدة شهدت تصاعدًا حادًا في الخلافات بين شريكي الوحدة، خصوصًا بعد الانتخابات البرلمانية عام 1993، حيث بدأت ملامح الصراع على النفوذ تتكشف بصورة أوضح، وتزايدت حوادث الاغتيالات التي استهدفت كوادر جنوبية، إلى جانب تنامي خطاب التخوين والإقصاء، الأمر الذي دفع القيادة الجنوبية إلى الشعور بأن الوحدة انحرفت عن مسارها التوافقي وتحولت إلى أداة لفرض السيطرة بالقوة.
وفي ظل تعثر اتفاقيات الحل السياسي، وعلى رأسها وثيقة العهد والاتفاق التي وُقعت في العاصمة الأردنية عمّان، اندلعت الحرب بصورة شاملة بين قوات الشمال والجنوب، ليأتي إعلان فك الارتباط في 21 مايو باعتباره محاولة أخيرة للحفاظ على الكيان السياسي الجنوبي واستعادة الدولة بعد سقوط مشروع الشراكة. وقد رأى الجنوبيون أن ذلك الإعلان لم يكن دعوة للحرب، بل تعبيرًا عن رفض استمرار الوحدة بالقوة العسكرية، بينما تعاملت السلطة في صنعاء مع الخطوة باعتبارها محاولة انفصالية تستهدف وحدة البلاد وسيادتها.
ومع انتهاء حرب صيف 1994 بسيطرة قوات صنعاء على الجنوب، دخلت الوحدة مرحلة جديدة لم تعد فيها قائمة على التراضي أو الشراكة، بل على الغلبة العسكرية وفرض الأمر الواقع. ومنذ ذلك الوقت تعززت مشاعر التهميش والإقصاء، وتراكمت الأزمات السياسية والاقتصادية، حتى وصلت البلاد إلى الانهيار الكبير بسقوط مؤسسات الجمهورية في صنعاء وسيطرة جماعة الحوثي على الشمال، وهو ما اعتبره كثير من الجنوبيين سقوطًا نهائيًا لمشروع الوحدة الذي أُعلن عام 1990، بعد أن فقدت الدولة المركزية وجودها الفعلي وتحولت العاصمة إلى ساحة نفوذ لجماعة مسلحة.
وفي المقابل، شهد الجنوب مرحلة مختلفة تمثلت في مقاومة الحوثيين وتحرير المحافظات الجنوبية، لتتشكل على الأرض معادلة سياسية وعسكرية جديدة عززت القناعة لدى قطاع واسع من أبناء الجنوب بأن واقع ما بعد الحرب لم يعد يشبه الوحدة السابقة، لا سياسيًا ولا ميدانيًا. ومن هذا المنطلق، برزت قناعة متزايدة بأن الحديث عن إعادة الوحدة لم يعد واقعيًا في ظل الانقسام القائم، واستمرار سيطرة الحوثيين على الشمال، وعجز القوى السياسية اليمنية عن استعادة الدولة أو بناء مشروع وطني جامع.
وبحسب هذا الطرح السياسي، فإن من يتمسك اليوم بخيار الوحدة من أبناء الشمال عليه أولًا استعادة الدولة وتحرير الشمال من الحوثيين وبناء مؤسسات وطنية حقيقية، بدل الذهاب إلى تسويات تمنح الجماعة شرعية جديدة تحت عناوين سياسية مختلفة. إذ إن أي حديث عن وحدة مستقبلية لا يمكن أن يقوم على واقع مختل تسيطر فيه جماعة مسلحة على القرار في الشمال، بينما يمتلك الجنوب اليوم قضيته السياسية وإرادته وواقعه المختلف.
ويرى الجنوبيون أن الإصرار على إعادة إنتاج الوحدة بصيغتها السابقة لم يعد سوى عامل إضافي لتعقيد المشهد وإطالة أمد الصراع والفوضى، خصوصًا بعد التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية. فالوحدة التي سقطت عمليًا بالحرب عام 1994، ثم انهارت نهائيًا بسقوط صنعاء بيد الحوثيين، لم يعد بالإمكان إحياؤها بالشعارات أو الاتفاقات السياسية المؤقتة. ولهذا، فإن العودة إلى صيغة الدولتين أصبحت الخيار الأكثر واقعية لإنهاء حالة الصراع المستمر، وبناء علاقات مستقرة ومتوازنة بين الشمال والجنوب تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيدًا عن مشاريع الهيمنة أو فرض الوحدة بالقوة.
إن ذكرى 21 مايو لم تعد بالنسبة لكثير من الجنوبيين مجرد استعادة لحدث تاريخي، بل تأكيدًا على مسار سياسي يرون أنه بدأ بإعلان فك الارتباط عام 1994، وتكرس عمليًا مع انهيار الجمهورية في صنعاء وصعود الحوثيين، ثم مع قدرة الجنوب على الدفاع عن أرضه وإدارة واقعه السياسي والعسكري. ولهذا تبقى هذه الذكرى محطة تعكس استمرار القضية الجنوبية بوصفها قضية شعب وهوية ودولة، لا مجرد خلاف سياسي عابر ارتبط بمرحلة زمنية وانتهى.
لقد دخل الجنوب الوحدة اليمنية وهو يحمل مشروع دولة ومؤسسات وتجربة سياسية مختلفة، على أمل بناء دولة حديثة تقوم على الشراكة والتعددية واحترام الخصوصية السياسية والاجتماعية للطرفين. غير أن السنوات الأربع الأولى من الوحدة شهدت تصاعدًا حادًا في الخلافات بين شريكي الوحدة، خصوصًا بعد الانتخابات البرلمانية عام 1993، حيث بدأت ملامح الصراع على النفوذ تتكشف بصورة أوضح، وتزايدت حوادث الاغتيالات التي استهدفت كوادر جنوبية، إلى جانب تنامي خطاب التخوين والإقصاء، الأمر الذي دفع القيادة الجنوبية إلى الشعور بأن الوحدة انحرفت عن مسارها التوافقي وتحولت إلى أداة لفرض السيطرة بالقوة.
وفي ظل تعثر اتفاقيات الحل السياسي، وعلى رأسها وثيقة العهد والاتفاق التي وُقعت في العاصمة الأردنية عمّان، اندلعت الحرب بصورة شاملة بين قوات الشمال والجنوب، ليأتي إعلان فك الارتباط في 21 مايو باعتباره محاولة أخيرة للحفاظ على الكيان السياسي الجنوبي واستعادة الدولة بعد سقوط مشروع الشراكة. وقد رأى الجنوبيون أن ذلك الإعلان لم يكن دعوة للحرب، بل تعبيرًا عن رفض استمرار الوحدة بالقوة العسكرية، بينما تعاملت السلطة في صنعاء مع الخطوة باعتبارها محاولة انفصالية تستهدف وحدة البلاد وسيادتها.
ومع انتهاء حرب صيف 1994 بسيطرة قوات صنعاء على الجنوب، دخلت الوحدة مرحلة جديدة لم تعد فيها قائمة على التراضي أو الشراكة، بل على الغلبة العسكرية وفرض الأمر الواقع. ومنذ ذلك الوقت تعززت مشاعر التهميش والإقصاء، وتراكمت الأزمات السياسية والاقتصادية، حتى وصلت البلاد إلى الانهيار الكبير بسقوط مؤسسات الجمهورية في صنعاء وسيطرة جماعة الحوثي على الشمال، وهو ما اعتبره كثير من الجنوبيين سقوطًا نهائيًا لمشروع الوحدة الذي أُعلن عام 1990، بعد أن فقدت الدولة المركزية وجودها الفعلي وتحولت العاصمة إلى ساحة نفوذ لجماعة مسلحة.
وفي المقابل، شهد الجنوب مرحلة مختلفة تمثلت في مقاومة الحوثيين وتحرير المحافظات الجنوبية، لتتشكل على الأرض معادلة سياسية وعسكرية جديدة عززت القناعة لدى قطاع واسع من أبناء الجنوب بأن واقع ما بعد الحرب لم يعد يشبه الوحدة السابقة، لا سياسيًا ولا ميدانيًا. ومن هذا المنطلق، برزت قناعة متزايدة بأن الحديث عن إعادة الوحدة لم يعد واقعيًا في ظل الانقسام القائم، واستمرار سيطرة الحوثيين على الشمال، وعجز القوى السياسية اليمنية عن استعادة الدولة أو بناء مشروع وطني جامع.
وبحسب هذا الطرح السياسي، فإن من يتمسك اليوم بخيار الوحدة من أبناء الشمال عليه أولًا استعادة الدولة وتحرير الشمال من الحوثيين وبناء مؤسسات وطنية حقيقية، بدل الذهاب إلى تسويات تمنح الجماعة شرعية جديدة تحت عناوين سياسية مختلفة. إذ إن أي حديث عن وحدة مستقبلية لا يمكن أن يقوم على واقع مختل تسيطر فيه جماعة مسلحة على القرار في الشمال، بينما يمتلك الجنوب اليوم قضيته السياسية وإرادته وواقعه المختلف.
ويرى الجنوبيون أن الإصرار على إعادة إنتاج الوحدة بصيغتها السابقة لم يعد سوى عامل إضافي لتعقيد المشهد وإطالة أمد الصراع والفوضى، خصوصًا بعد التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية. فالوحدة التي سقطت عمليًا بالحرب عام 1994، ثم انهارت نهائيًا بسقوط صنعاء بيد الحوثيين، لم يعد بالإمكان إحياؤها بالشعارات أو الاتفاقات السياسية المؤقتة. ولهذا، فإن العودة إلى صيغة الدولتين أصبحت الخيار الأكثر واقعية لإنهاء حالة الصراع المستمر، وبناء علاقات مستقرة ومتوازنة بين الشمال والجنوب تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيدًا عن مشاريع الهيمنة أو فرض الوحدة بالقوة.
إن ذكرى 21 مايو لم تعد بالنسبة لكثير من الجنوبيين مجرد استعادة لحدث تاريخي، بل تأكيدًا على مسار سياسي يرون أنه بدأ بإعلان فك الارتباط عام 1994، وتكرس عمليًا مع انهيار الجمهورية في صنعاء وصعود الحوثيين، ثم مع قدرة الجنوب على الدفاع عن أرضه وإدارة واقعه السياسي والعسكري. ولهذا تبقى هذه الذكرى محطة تعكس استمرار القضية الجنوبية بوصفها قضية شعب وهوية ودولة، لا مجرد خلاف سياسي عابر ارتبط بمرحلة زمنية وانتهى.















