في مسرحية الأنا التي لا تنتهي، يفقد النرجسي كل يومين صديقاً أو اثنين، حتى يجد نفسه أخيراً يقف وحيداً على خشبة المسرح.. يصفق لنفسه في صمت!
لكل مسرح نهاية، ومهما طال صخب التصفيق بوجه المداهنة، تأتي لحظة حتمية ينفضّ فيها السامر ويرحل الجمهور. في تلك اللحظة المجردة من بريق السلطة، أو نفوذ المنصب، أو زهوة الشباب، يجد الإنسان نفسه أمام مرآة الحقيقة؛ ليرى وزنه الحقيقي في قلوب من حوله.
هذه اللحظة التي تمثل للإنسان السوي فرصة للمراجعة، تتحول عند النرجسي إلى مأساة صامتة؛ لسبب واحد: العجز الكامل عن فهم سر التواضع.
- قناع التعالي لمداراة النقص
إن المحك الحقيقي لجوهر الإنسان يكمن في كيفية تعامله مع الشدائد، ولا سيما وعكات الجسد والتقدم في السن، حيث تذوب المناصب وتلين القلوب لتستدر عطف المحيطين عبر الانكسار الإيجابي.
لكن النرجسي يرى العالم بمنظور مقلوب؛ إذ يعتبر الاعتراف بالضعف "هزيمة وجودية". وهنا تبرز الحقيقة النفسية؛ فما يمارسه من استعلاء ليس حباً في الكبرياء، بل هو نتاج "مرض النقص في الشخصية"، وقناع سميك يداري به هشاشته الداخلية. وبدلاً من أن يدعوه المرض إلى اللين، يزداد تحصناً خلف قناعه، فيعامل المحيطين به بفوقية مفرطة، متناسياً أن القلوب تُقبل بالود لا بالاستعلاء.
لماذا يعجز النرجسي عن فهم التواضع؟ لأنه يراه نوعاً من المهانة، ولا يستوعب عقله النفعي أن التواضع هو أعلى درجات القوة الباطنية. التواضع هو العملة العاطفية التي يودعها المرء في قلوب الناس أيام رخائه ليجدها أيام شدته.
هذا "السر" يظل طلسماً مبهمًا للنرجسي؛ لأنه حين كان في أوج قوته، كان يرى الالتفاف حوله دليلاً على عظمته، لا على بريق مصلحة عابرة. وعندما يرحل الجمهور، لا يلوم جفوته، بل يلوم العالم "الجاحد"! والنتيجة الحتمية لهذا الإصرار على التعالي هي بناء جدار سميك من العزلة الطاردة؛ فينفضّ الناس من حوله فراراً من كبريائه الجريح الذي يمعن في إيذائهم حتى وهو في أمسّ الحاجة إليهم.
يغلق المسرح أبوابه، ويبقى النرجسي وحيداً، يقتات على ذكريات نفوذ غابر، متسائلاً بكبرياء مرير عن سر تلك الجفوة؛ فهو شخص لا يعرف في تعاملاته إلا الصوت العالي والصدام المستمر مع الآخرين، وتغيب عن أدواته أي مرونة أو رغبة في التفاهم الإنساني الفطري، فتنفرط سلسلة الأصدقاء كمسبحة فُرِطت حباتها.. وبقيت عقدة المسبحة وحيدة.