تأتي العشر المباركة من ذي الحجة، وهي من أفضل أيام الله وأعظمها أجرًا، لا لتدعونا إلى كثرة الذكر والصيام والصدقة فحسب، بل لتوقظ فينا عبادة أعمق: عبادة صفاء القلب، وردّ الجميل، وصلة الرحم، والاعتذار الصادق، والعفو ابتغاء مرضاة الله.
فكلما تقدم الإنسان في العمر، وهدأت ضوضاء الحياة من حوله، بدأت الذاكرة تعود به إلى وجوه كثيرة مرّت في طريقه: من ربّاه، ومن صبر عليه، ومن أحبه، ومن ستره، ومن علّمه، ومن وقف إلى جانبه في لحظة ضعف، ومن وضع في طريقه ذرة حب أو كلمة خير أو موقف نبل.
وعند هذه المرحلة من العمر، لا يعود الإنسان ينظر إلى الناس كما كان ينظر إليهم في زمن الانشغال والانفعال والمصالح. يصبح أكثر إنصافًا، وأكثر رقة، وأكثر إدراكًا بأن كثيرين لم يأخذوا حقهم من الشكر، وأن بعض القلوب تستحق منا اعتذارًا تأخر، وأن بعض الجراح آن لها أن تُترك لله.
في مقدمة الذاكرة يأتي الوالدان، أو من قام مقامهما في التربية والرعاية؛ فهم الجذور الأولى، والدعاء الأول، والتعب الذي لا يُقاس. قد لا نفهم في صغرنا خوفهم وحرصهم، لكن العمر يكشف لنا أن كثيرًا مما حسبناه قسوة كان حبًا، وأن كثيرًا مما ظنناه تقصيرًا كان عجزًا لا جفاء.
ثم تأتي الزوجة أو الزوج؛ شريك الطريق، ورفيق العمر، وشاهد التفاصيل التي لا يعرفها الناس. فمن شاركنا تعب الحياة، وقلق الرزق، وهمّ الأولاد، وأيام المرض والعافية، لا يجوز أن يُختصر في خلاف عابر أو لحظة غضب. العشرة الطويلة تحتاج وفاءً لا نسيانًا، وتقديرًا لا جحودًا.
ثم يأتي الأولاد؛ امتداد القلب ومسؤولية العمر. فيهم نرى ما بذلناه، وما خفناه، وما تمنيناه، وربما نرى أيضًا ما قصّرنا فيه دون قصد. وما أجمل أن يجد الأب أو الأم شجاعة القول: سامحوني إن قسوت، أو انشغلت، أو لم أعبّر عن حبي كما ينبغي.
ثم يأتي الأحفاد؛ بهجة العمر وهدية الله المتأخرة. فيهم تعود الحياة أهدأ وأنقى، وكأن الله يمنح الإنسان فرصة جديدة ليزرع الحنان، ويترك أثرًا طيبًا، ويعلّمهم أن أجمل ما في الإنسان ليس ما يملكه، بل ما يحمله من رحمة وخلق ووفاء.
ولا يكتمل دفتر الوفاء دون الإخوة والأخوات. فهم شركاء البيت الأول، ورفاق الطفولة، وذاكرة البدايات. قد تفرقنا الأيام، وقد تدخل بيننا المسافات أو العتاب أو سوء الفهم، لكن الأخ والأخت يبقيان جزءًا من الجذر، ومن الذاكرة، ومن القلب. وصلة الرحم في هذه الأيام المباركة ليست مجاملة، بل عبادة ورفعة وبركة.
ثم تتسع الدائرة إلى الأقارب، والجيران، والمعلمين، والأصدقاء، وزملاء العمل، وكل إنسان مرّ في حياتنا وترك أثرًا نبيلاً. فقد يكون إنسانًا بعيدًا في النسب، لكنه قريب في الموقف. وقد يكون معلمًا قال كلمة غيّرت مسارنا، أو جارًا ستر، أو صديقًا واسى، أو زميلًا وقف معنا حين غاب غيره.
وفي المقابل، هناك من أخطأ في حقنا، أو آلمنا، أو خذلنا. لكن العشر المباركة تذكّرنا أن العفو ليس ضعفًا، بل قوة إيمان، وأن ترك الخصومة لله راحة للقلب قبل أن يكون إحسانًا للآخرين. ومن أراد رضا الله، فليخفف قلبه من أثقال الحقد، وليقل: اللهم إني عفوت عمّن ظلمني، فاعفُ عني يوم ألقاك.
فلنجعل هذه الأيام المباركة محطة صادقة للمراجعة، لا مع الله وحده، بل مع الناس أيضًا.
لنقل: شكرًا لكل من أحسن إلينا.
وسامحونا إن قصّرنا أو غفلنا أو أوجعنا أحدًا دون قصد.
وعفونا عن كل من أساء إلينا، طلبًا لرضا الله لا ضعفًا ولا نسيانًا.
فالعمر يمضي، والصفحات تُطوى، ولا يبقى للإنسان إلا أثره الطيب، ودعوة صادقة، وقلب خفيف يعرف أن رضا الله أعظم من كل خصومة، وأن الوفاء أرقى ما يتركه الإنسان في ذاكرة من عاشوا معه وأحبوه.
فكلما تقدم الإنسان في العمر، وهدأت ضوضاء الحياة من حوله، بدأت الذاكرة تعود به إلى وجوه كثيرة مرّت في طريقه: من ربّاه، ومن صبر عليه، ومن أحبه، ومن ستره، ومن علّمه، ومن وقف إلى جانبه في لحظة ضعف، ومن وضع في طريقه ذرة حب أو كلمة خير أو موقف نبل.
وعند هذه المرحلة من العمر، لا يعود الإنسان ينظر إلى الناس كما كان ينظر إليهم في زمن الانشغال والانفعال والمصالح. يصبح أكثر إنصافًا، وأكثر رقة، وأكثر إدراكًا بأن كثيرين لم يأخذوا حقهم من الشكر، وأن بعض القلوب تستحق منا اعتذارًا تأخر، وأن بعض الجراح آن لها أن تُترك لله.
في مقدمة الذاكرة يأتي الوالدان، أو من قام مقامهما في التربية والرعاية؛ فهم الجذور الأولى، والدعاء الأول، والتعب الذي لا يُقاس. قد لا نفهم في صغرنا خوفهم وحرصهم، لكن العمر يكشف لنا أن كثيرًا مما حسبناه قسوة كان حبًا، وأن كثيرًا مما ظنناه تقصيرًا كان عجزًا لا جفاء.
ثم تأتي الزوجة أو الزوج؛ شريك الطريق، ورفيق العمر، وشاهد التفاصيل التي لا يعرفها الناس. فمن شاركنا تعب الحياة، وقلق الرزق، وهمّ الأولاد، وأيام المرض والعافية، لا يجوز أن يُختصر في خلاف عابر أو لحظة غضب. العشرة الطويلة تحتاج وفاءً لا نسيانًا، وتقديرًا لا جحودًا.
ثم يأتي الأولاد؛ امتداد القلب ومسؤولية العمر. فيهم نرى ما بذلناه، وما خفناه، وما تمنيناه، وربما نرى أيضًا ما قصّرنا فيه دون قصد. وما أجمل أن يجد الأب أو الأم شجاعة القول: سامحوني إن قسوت، أو انشغلت، أو لم أعبّر عن حبي كما ينبغي.
ثم يأتي الأحفاد؛ بهجة العمر وهدية الله المتأخرة. فيهم تعود الحياة أهدأ وأنقى، وكأن الله يمنح الإنسان فرصة جديدة ليزرع الحنان، ويترك أثرًا طيبًا، ويعلّمهم أن أجمل ما في الإنسان ليس ما يملكه، بل ما يحمله من رحمة وخلق ووفاء.
ولا يكتمل دفتر الوفاء دون الإخوة والأخوات. فهم شركاء البيت الأول، ورفاق الطفولة، وذاكرة البدايات. قد تفرقنا الأيام، وقد تدخل بيننا المسافات أو العتاب أو سوء الفهم، لكن الأخ والأخت يبقيان جزءًا من الجذر، ومن الذاكرة، ومن القلب. وصلة الرحم في هذه الأيام المباركة ليست مجاملة، بل عبادة ورفعة وبركة.
ثم تتسع الدائرة إلى الأقارب، والجيران، والمعلمين، والأصدقاء، وزملاء العمل، وكل إنسان مرّ في حياتنا وترك أثرًا نبيلاً. فقد يكون إنسانًا بعيدًا في النسب، لكنه قريب في الموقف. وقد يكون معلمًا قال كلمة غيّرت مسارنا، أو جارًا ستر، أو صديقًا واسى، أو زميلًا وقف معنا حين غاب غيره.
وفي المقابل، هناك من أخطأ في حقنا، أو آلمنا، أو خذلنا. لكن العشر المباركة تذكّرنا أن العفو ليس ضعفًا، بل قوة إيمان، وأن ترك الخصومة لله راحة للقلب قبل أن يكون إحسانًا للآخرين. ومن أراد رضا الله، فليخفف قلبه من أثقال الحقد، وليقل: اللهم إني عفوت عمّن ظلمني، فاعفُ عني يوم ألقاك.
فلنجعل هذه الأيام المباركة محطة صادقة للمراجعة، لا مع الله وحده، بل مع الناس أيضًا.
لنقل: شكرًا لكل من أحسن إلينا.
وسامحونا إن قصّرنا أو غفلنا أو أوجعنا أحدًا دون قصد.
وعفونا عن كل من أساء إلينا، طلبًا لرضا الله لا ضعفًا ولا نسيانًا.
فالعمر يمضي، والصفحات تُطوى، ولا يبقى للإنسان إلا أثره الطيب، ودعوة صادقة، وقلب خفيف يعرف أن رضا الله أعظم من كل خصومة، وأن الوفاء أرقى ما يتركه الإنسان في ذاكرة من عاشوا معه وأحبوه.



















