يرحل بعض القادة تاركين خلفهم إرث السلطة، ويرحل آخرون وقد تركوا سؤالًا وطنيًا مفتوحًا ومشروعًا لم يكتمل بعد.

هكذا رحل الرئيس اليمنى السابق عبدربه منصور هادى الأسبوع الماضي، هادئًا كما عرفه كثيرون، بعيدًا عن ضجيج السياسة وصخبها، فقد ترك السلطة طواعية في 7 أبريل 2022، لقيادة جماعية برئاسة الرئيس الدكتور رشاد العليمي تمثل مختلف الأطياف السياسية اليمنية وتلبى تحديات المرحلة، تاركًا خلفه أحد أهم المشروعات الوطنية في تاريخ اليمن الحديث: مشروع اليمن الاتحادي.

لم يكن هادي رجل الشعارات المرتفعة أو الباحث عن الأضواء. كان أقرب إلى رجل الدولة الهادئ، المؤمن بأن الأوطان تُبنى بالتوافق لا بالغلبة، وبالحوار لا بالإقصاء.

وربما لهذا السبب وجد نفسه منهكًا في قلب واحدة من أعقد اللحظات التي عرفتها دولة اليمن الحديث.

وخلال عقد من الحكم مرت محطات مختلفة من النجاحات والإخفاقات.

ولكن حين تولى قيادة البلاد، كان اليمن يقف على حافة الانهيار؛ انقسامات سياسية حادة، ومؤسسات تتآكل، واحتقان يتصاعد في الشارع، فيما الأسئلة الكبرى عن الدولة والمستقبل تتزاحم في كل اتجاه.

في تلك اللحظة الصعبة، قبل هادى مسئولية إدارة المرحلة الانتقالية، حاملًا عبء الحفاظ على الدولة، والسعي إلى انتقال سياسي يجنّب البلاد انزلاقًا أوسع نحو الفوضى.

ارتبط اسم الرئيس الراحل بأهم محاولة سياسية جامعة في تاريخ اليمن المعاصر، من خلال رعايته مؤتمر الحوار الوطني الشامل، الذي شكّل لحظة استثنائية جلس فيها اليمنيون للبحث عن عقد اجتماعي جديد يعالج جذور أزماتهم المزمنة؛ من القضية الجنوبية، إلى صعدة، وصولًا إلى بناء دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

ومن رحم ذلك الحوار، وُلد مشروع اليمن الاتحادي، المشروع الذي آمن به هادى بإخلاص، ورآه الطريق الأكثر عدالة لبناء دولة تتسع لجميع اليمنيين، وتُنهى إرث المركزية والصراعات التاريخية.

لم يكن المشروع مجرد إعادة تقسيم إداري أو هندسة سياسية لشكل الدولة، بل مشروع رؤية وطنية لإقامة شراكة حقيقية، تضمن الإنصاف وتمنح الجميع شعور الانتماء المتكافئ للدولة.

ورغم ما تعرض له هذا المشروع من انتكاسة كبيرة بعد الانقلاب الحوثي على مؤسسات الدولة، وما تبعه من حرب طويلة ومؤلمة دفع اليمن أثمانها الباهظة، ظل هادى متمسكا بفكرة الدولة ووحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، رافضًا الانقلاب على المرجعيات الوطنية والثوابت الجامعة، متمسكا بالحوار والسلام العادل باعتباره الطريق الممكن لإنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة.

وعلى المستوى الإنساني، عرفه من عملوا معه رجلا متسامحا، قليل الخصومة، بصورة نادرة في عالم السياسة؛ يفضّل العمل بصمت على الضجيج، ويؤمن بأن الوطن أكبر من الحسابات الصغيرة.

لقد عرفت الرئيس عبدربه منصور هادى، وعملت معه خلال أصعب المراحل التي مر بها اليمن الحديث، سواء كوزير لحقوق الإنسان، أو وزير مكلف للإعلام، أو عضو في محطات المشاورات السياسية البارزة في جنيف وبييل السويسرية أو مشاورات الكويت المعروفة.

وشهدت حجم الألم الذي كان يحمله وهو يحاول إنقاذ وطن يتداعى من كل اتجاه، وسط تعقيدات داخلية وإقليمية ودولية هائلة.

كان يحمل همّ اليمن بصمت، ويتمسك بأمل الدولة رغم اتساع العواصف.

برحيل عبدربه منصور هادى، تطوى صفحة مهمة من تاريخ اليمن الحديث، لكن المشاريع الوطنية الكبرى تبقى أطول عمرًا من أصحابها. وسيظل مشروع اليمن الاتحادي، الذي حمله بإيمان وإخلاص، فكرة وطنية تنتظر لحظة الإنصاف، وحلمًا مؤجلًا لدولة عادلة تتسع لكل اليمنيين.

"الأهرام"