​بينما تُشرق الشمس على سواحل عدن، لا يحمل ضوؤها وهج الأمل، بل نذير يومٍ طويل من "المكابدة". في هذه المدينة التاريخية، لم تعد الكهرباء مجرد خدمة عامة متعثرة، بل تحولت إلى أداة لإنهاك الإنسان، وقياس مدى قدرته على التحمل في بيئة بلغت فيها الحرارة والرطوبة مستويات تفوق طاقة الجسد البشري.

في عدن، لا يُقاس الوقت بالساعات، بل بـ "جرعات الانطفاء". المعاناة هنا ليست عابرة، بل هي حالة استنزاف دائم:
بيوت تتحول إلى أفران: في ظل التكدس العمراني والرطوبة الساحلية، تتحول الجدران الإسمنتية إلى مخازن للحرارة، مما يجعل البقاء داخل المنازل ليلًا ضربًا من التعذيب الجسدي.

 يعيش كبار السن ومرضى الربو والضغط حالة من الرعب اليومي؛ حيث تتحول نوبات الحر إلى تهديد مباشر للحياة في ظل عجز المستشفيات عن استيعاب الانهيارات الصحية الناتجة عن "ضربات الشمس" المنزلية.

على مر السنوات، أتقنت الجهات التعاقبية فن "إدارة الأزمة" لا حلها. إن تحويل قضية الكهرباء إلى ورقة في الصراع السياسي أو الاقتصادي هو "جريمة صامتة".

تُهدر مليارات الريالات في صفقات وقود مؤقتة وطاقة مستأجرة، وهي حلول تتبخر بانتهاء الصيف، دون استثمار حقيقي في محطات توليد استراتيجية (كالغازية أو الشمسية) التي توفر استدامة حقيقية.

الفجوة لم تعد تقنية فحسب، بل هي فجوة ثقة. كل وعد بـ "صيف بارد" يتبعه صيف أكثر اشتعالًا، مما خلق حالة من الاغتراب بين المواطن ومؤسسات الدولة.

أما الانعكاسات فمجتمع يغلي تحت السطح؛ حيث تتجاوز الأزمة حدود "الظلام" لتضرب عمق النسيج الاجتماعي والمتمثل بـ:
-الشلل الاقتصادي: أصحاب المهن الصغيرة والمحلات يعيشون حالة إفلاس غير معلن؛ فتكلفة توفير الطاقة البديلة تأكل الأرباح، وانقطاع التيار يقتل الإنتاجية.

-النقمة الاجتماعية: تولد هذه الظروف جيلًا يشعر بالخذلان، حيث تُسلب منه أبسط مقومات العيش الكريم، مما يجعل الشارع في حالة غليان دائم، وهو غليان مبرر شرعًا وقانونًا.

"إن المطالبة بالكهرباء في عدن ليست ترفًا سياسيًّا، بل هي صرخة من أجل الحق في التنفس".
إن الحل في عدن ليس مستحيلًا من الناحية التقنية، لكنه معطل إراديًّا.

 ومن أجل إنقاذ المدينة يتطلب:
-توطين إنتاج الطاقة: التوقف عن استجداء الحلول الترقيعية والتوجه نحو بناء محطات سيادية بقدرات توليد عالية.
-تطهير قطاع الطاقة: بعيدًا عن صفقات "الديزل" المشبوهة التي استنزفت موارد البلاد ومقدرات العباد.
-الشفافية المطلقة: إشراك المجتمع في معرفة أين تذهب الإيرادات ولماذا تتعثر المشاريع الكبرى.

عدن، المدينة التي كانت يومًا منارة للجزيرة والخليج، لا تستحق أن تُترك لمصيرها تحت رحمة "المولدات المتهالكة" و"الوعود الجوفاء". إن استمرار الصمت عن معاناة الناس في هذا الصيف هو تخلي كامل عن المسؤولية الأخلاقية والوطنية. فهل من مجيب قبل أن يلتهم الصيف ما تبقى من رمق في صدور الأوفياء؟