في الخطاب العام، يُقدَّم جيل الاستقلال ومواجهة الاستعمار بوصفه الجيل الأبرز في مختلف القيم والفضائل، من شجاعة وتضحية وانتماء وقدرة على المواجهة. وهو جيل سطّر تاريخه في مرحلة كانت فيها المواجهة مباشرة، والخصم واضح المعالم، وكانت المعركة تتمحور حول قضية التحرر.

في المقابل، يُنظر إلى الجيل الحالي في كثير من الأحيان من منظور يركّز على أوجه القصور؛ فيُوصف بأنه أقل غيرة، وأضعف التزامًا، وأقل حضورًا في القضايا الوطنية. وقد تكررت هذه الصورة إلى حدّ جعلها، لدى البعض، حقيقة مسلّمًا بها لا تقبل النقاش.

غير أن هذه المقارنة تنطلق من تساؤل يفتقر إلى الإنصاف: هل يمكن تقييم أجيال مختلفة بمعايير تنتمي إلى حقبة زمنية واحدة؟

لقد واجه جيل الأمس استعمارًا مباشرًا وصراعًا واضحًا على الأرض والهوية، وكانت التضحيات جزءًا من واقع يومي لا مجال لتجنّبه. أما جيل اليوم، فيعيش في عالم تبدّلت فيه طبيعة التحديات؛ فلم تعد المواجهة تقتصر على الأبعاد العسكرية أو السياسية المباشرة، بل امتدت إلى مجالات اقتصادية وتعليمية ورقمية واجتماعية، تتشابك فيها المصالح وتتداخل التأثيرات.

وفي هذا السياق، لا يمكن إصدار أحكام قاطعة بشأن “الغيرة” أو “الانتماء”، لأن وسائل التعبير عنهما قد تغيّرت، وليس بالضرورة لأنهما تراجعا أو اختفيا.

إن اتخاذ الماضي معيارًا مطلقًا للحكم على الحاضر لا يحقق الإنصاف لأيٍّ منهما؛ فلا هو ينصف الماضي، ولا يمنح الحاضر حقه في التقييم الموضوعي.

فما يُعدّ في مرحلة تاريخية معينة بطولةً جلية، قد يتخذ في مرحلة أخرى صورًا مختلفة من الصمود والمسؤولية لا يسهل إدراكها بالقدر نفسه.

ربما المشكلة ليست في الأجيال.