لا ينبغي النظر إلى حوار الرياض الجنوبي بوصفه شأنًا جنوبيًّا منفصلًا عن مستقبل اليمن والمنطقة، بل باعتباره مدخلًا عمليًّا للحل اليمني، وفرصة لتوحيد الجنوبيين وبناء نموذج رشيد يسهّل لاحقاً التوافق على شكل العلاقة بين الجنوب والشمال، ويخدم استقرار الإقليم والبحر الأحمر وباب المندب.

لقد أثبتت التجارب أن أي حل يمني يتجاهل القضية الجنوبية، أو يتعامل معها كملف مؤجل، لن ينتج استقرارًا حقيقيًّا. كما أن أي مشروع جنوبي لا يبدأ بتوحيد الجنوبيين وتنظيم صفهم وبناء نموذج حكم ناجح، سيظل ضعيفاً أمام الداخل والخارج. لذلك فإن البداية الصحيحة هي: توحيد الجنوبيين أولاً، وبناء النموذج ثانياً، ثم الانتقال إلى رؤية أوسع للعلاقة مع الشمال واليمن والمنطقة.

العالم من حولنا يتجه بسرعة نحو القرن الواحد والعشرين: العلم، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والإدارة الرقمية، والاقتصاد المنتج. أما اليمن، شمالاً وجنوباً، فما زال يدفع ثمن السلاح، والفساد، والولاءات، والعصبيات، وانهيار المؤسسات. ومن هنا تصبح القضية ليست فقط جنوباً وشمالاً، بل سؤالاً أكبر: هل نبقى أسرى اليمن القديم، أم نفتح طريقاً نحو دولة حديثة تقوم على القانون والمؤسسات والكفاءة؟

في هذا السياق، يجب أن تكون أولوية حوار الرياض واضحة: الاتفاق على مرجعية جنوبية جامعة، وعلى مرحلة انتقالية لا تتجاوز ثلاث سنوات، يتم خلالها بناء نموذج جنوبي حديث في الإدارة، والأمن، والقضاء، والخدمات، والاقتصاد، والتعليم، والطاقة، والموانئ، ومكافحة الفساد.

القضية الجنوبية ليست ملكًا لمكون واحد، ولا يجوز أن يحتكرها طرف أو يستخدمها لإقصاء الآخرين. هي قضية شعب وحقوق ومستقبل. ولذلك فإن المرجعية الجنوبية المطلوبة يجب أن تضم المكونات السياسية، والمستقلين، والكفاءات، والمرأة، والشباب، والمغتربين، وممثلي المحافظات، على قاعدة: لا احتكار، لا إقصاء، لا تخوين، ولا مركزية داخل الجنوب.

فالجنوب الذي يطالب بالعدالة يجب أن يمارسها داخلياً. والجنوب الذي يرفض الإقصاء يجب ألا يعيد إنتاجه بين أبنائه. والجنوب الذي يريد إدارة موارده يجب أن يثبت قدرته على إدارتها بشفافية وكفاءة. والجنوب الذي يطلب دعماً إقليمياً ودولياً يجب أن يقدم نفسه كنموذج دولة، لا كساحة تنافس بين مكونات.

ومن هنا تأتي أهمية الوثيقة الجنوبية الجامعة والملحق الشامل والمبادئ التي طُرحت ووجدت تجاوباً من نخب جنوبية من اتجاهات متنوعة. المطلوب الآن تحويل هذه الرؤية إلى برنامج عملي لحوار الرياض: برنامج يوحّد الصف، ينظم المرحلة الانتقالية، ويضع خريطة واضحة لبناء نموذج جنوبي قابل للحياة.

وبعد أن يتوافق الجنوبيون على توحيد صفهم وبناء نموذجهم، يمكن الانتقال بثقة إلى رؤية أوسع لليمن كله، لا لتذويب القضية الجنوبية، بل لتحديد الالتزامات المتبادلة. وفي مقدمة ذلك أن الشمال أيضاً مطالب ببناء مؤسسات مدنية حديثة، قائمة على القانون والكفاءة، بعيداً عن السلاح، والقوة، والقبيلة، والعصبيات الموروثة من القرن الماضي.

فلا يجوز أن يُطلب من الجنوبيين وحدهم أن يتوحدوا ويبنون نموذجاً، بينما يبقى الشمال أسير مراكز القوة والسلاح والفساد وثقافة الغلبة. أي علاقة مستقبلية بين الجنوب والشمال، سواء كانت كونفدرالية متدرجة، أو فيدرالية ثنائية، أو دولتين متعاونتين، أو أي صيغة أخرى، لن تنجح إلا إذا التزم الطرفان بمنطق الدولة والقانون والمؤسسات.

إن حوار الرياض يمكن أن يكون فرصة تاريخية إذا بدأ من السؤال الصحيح: كيف نوحد الجنوبيين؟ كيف نبني نموذجاً جنوبياً ناجحاً؟ وكيف نجعل هذا النموذج مدخلاً لحل يمني أوسع، لا مجرد تعبير عن خلاف سياسي؟

النموذج الجنوبي خلال ثلاث سنوات يجب أن يقوم على أولويات عملية: أمن منضبط، قضاء مستقل، إدارة مالية شفافة، خدمات أساسية، كهرباء وطاقة بديلة، إدارة عادلة للموارد، تفعيل الموانئ، رقمنة الإيرادات والرواتب، مكافحة الفساد، تمكين الشباب، إشراك المرأة، واستدعاء الكفاءات الجنوبية في الداخل والخارج.

بهذا يستطيع الجنوب أن يقول للإقليم والعالم: نحن لا نقدم مشروع غضب، بل مشروع دولة. لا نقدم شعاراً، بل نموذجاً. ولا نطلب دعماً يعيد إنتاج الفشل، بل شراكة لبناء إدارة حديثة ومستقرة تخدم الجنوب، وتسهم في استقرار اليمن والمنطقة.

الخلاصة أن حوار الرياض الجنوبي يجب أن يكون بداية لمسار جديد:

جنوب موحد يبني نموذجاً، وشمال مطالب بإصلاح جذري، وعلاقة مستقبلية تُحدد بالتراضي والضمانات، وإقليم يرى في الاستقرار مصلحة مشتركة.

ذلك هو الطريق العملي إلى القرن الواحد والعشرين. أما غير ذلك، فهو عودة جديدة إلى الماضي بثياب مختلفة.

* نائب وزير الخارجية الأسبق