ليست عدن مدينةً تُفجع برحيل أبنائها كما تُفجع المدن العادية؛ فعدن حين تفقد واحدًا من عشاقها الصادقين، تفقد شيئًا من صوتها، وذاكرتها، ولهجتها، وحوافيها، وملامح زمنها الجميل.

وبرحيل العزيز سعيد عولقي، لا نرثي رجلًا واحدًا فحسب، بل نرثي في عدن واحدًا من أبنائها الذين حملوها في الروح، وتنفسوا لهجتها في الحياة اليومية، وعاشوا ثقافتها بسلوكهم قبل كلماتهم. كان سعيد عدنيًّا في العفوية، وخفة الظل، وصفاء المعشر، وفي تلك الروح التي لا تخطئها القلوب. وحين قال يومًا في ديوان بالشيخ عثمان:«هيا ويه»، لم تكن مجرد عبارة عابرة، بل كانت عدن كلها تطل من صوته؛ عدن الحوافي، والناس، والمسرح، والمقاهي، والذاكرة الشعبية الأصيلة.

غير أن سعيد لم يكن ابن عدن وحدها، فقد كان عولقيًا بجذوره، شبوانيًا بأرض أجداده، يحمل في داخله صفات ابن القبيلة العربية الأصيلة: الشهامة، والأنفة، والوفاء، والصلابة حين يستدعي الموقف ذلك. وفي شخصيته امتزجت عدن وشبوة امتزاجًا نادرًا؛ رقي المدينة وروحها المدنية والفنية، مع شموخ الأصل وصلابة الجذر.

كان سعيد فنانًا، ومسرحيًّا، وكاتبًا، وصاحب ذاكرة عدنية حيّة. لم يعش عدن كإقامة أو عنوان، بل عاشها كحكاية كاملة؛ عرف حوافيها، وشخصياتها، ومواقفها، وبداياتها، وحمل من ذاكرة منتصف القرن الماضي ما تحتاجه الأجيال لتعرف أي مدينة كانت عدن، وأي روح صنعت أبناءها ومحبيها.

وفي هذا المقام لا يمكن أن نذكر سعيد عولقي دون أن نستحضر رفيقه في عشق عدن، الأستاذ المرحوم نجيب يابلي. فقد كان نجيب، في كتاباته ومواقفه وأحاديثه، يحمل عدن معه أينما حلّ؛ لا يتحدث عنها ببرود الكاتب، بل بحرارة الابن البار، وغيرة العاشق، وصدق من يخاف على ذاكرة مدينته من النسيان. وكما حفظ سعيد عدن بفنه ولهجته وصوته وحضوره، حفظها نجيب بقلمه وذاكرته ومواقفه وكلماته.

هؤلاء الرجال، ومن شابههم من أوفياء عدن، لم يحبوا المدينة حبًّا عاديًا. أحبّوها كعهد، كهوية، كأم، وكذاكرة لا يجوز أن تُترك للغبار. لم يرفعوا اسمها للشعار، بل حملوا روحها في السلوك، والكتابة، والفن، والموقف، والوفاء.

لذلك فإن رثاء سعيد عولقي هو في حقيقته رثاء لعدن وهي تفقد واحدًا من أصواتها الصادقة، كما فقدت من قبله نجيب يابلي، وكما فقدت كثيرين ممن أحبوها بصدق ولم يطلبوا من حبها جزاءً ولا شكورًا.

سلامٌ على سعيد عولقي؛ العدني روحًا ولهجةً وثقافة، العولقي أصلًا وجذرًا، الشبواني صلابةً وكرامة، الجنوبي موقفاً ووفاءً، واليمني إنساناً وانتماءً.

وسلامٌ على نجيب يابلي، وعلى كل من أحب عدن كما أحبّاها: حبًا نقيًّا، عميقاً، وفيًّا، لا يبهت برحيل الجسد.

رحمهم الله جميعًا، وأسكنهم فسيح جناته، وأبقى عدن، رغم جراحها، مدينةً للذاكرة، والروح، والجمال، والكرامة.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

عدن ترثي أحد أصواتها: سعيد عولقي

> السفير/ نبيل خالد ميسري

> ليست عدن مدينةً تُفجع برحيل أبنائها كما تُفجع المدن العادية؛ فعدن حين تفقد واحدًا من عشاقها الصادقين، تفقد شيئًا من صوتها، وذاكرتها، ولهجتها، وحوافيها، وملامح زمنها الجميل.

وبرحيل العزيز سعيد عولقي، لا نرثي رجلًا واحدًا فحسب، بل نرثي في عدن واحدًا من أبنائها الذين حملوها في الروح، وتنفسوا لهجتها في الحياة اليومية، وعاشوا ثقافتها بسلوكهم قبل كلماتهم. كان سعيد عدنيًّا في العفوية، وخفة الظل، وصفاء المعشر، وفي تلك الروح التي لا تخطئها القلوب. وحين قال يومًا في ديوان بالشيخ عثمان: «هيا ويه»، لم تكن مجرد عبارة عابرة، بل كانت عدن كلها تطل من صوته؛ عدن الحوافي، والناس، والمسرح، والمقاهي، والذاكرة الشعبية الأصيلة.

غير أن سعيد لم يكن ابن عدن وحدها، فقد كان عولقيًا بجذوره، شبوانيًا بأرض أجداده، يحمل في داخله صفات ابن القبيلة العربية الأصيلة: الشهامة، والأنفة، والوفاء، والصلابة حين يستدعي الموقف ذلك. وفي شخصيته امتزجت عدن وشبوة امتزاجًا نادرًا؛ رقي المدينة وروحها المدنية والفنية، مع شموخ الأصل وصلابة الجذر.

كان سعيد فنانًا، ومسرحيًّا، وكاتبًا، وصاحب ذاكرة عدنية حيّة. لم يعش عدن كإقامة أو عنوان، بل عاشها كحكاية كاملة؛ عرف حوافيها، وشخصياتها، ومواقفها، وبداياتها، وحمل من ذاكرة منتصف القرن الماضي ما تحتاجه الأجيال لتعرف أي مدينة كانت عدن، وأي روح صنعت أبناءها ومحبيها.

وفي هذا المقام لا يمكن أن نذكر سعيد عولقي دون أن نستحضر رفيقه في عشق عدن، الأستاذ المرحوم نجيب يابلي. فقد كان نجيب، في كتاباته ومواقفه وأحاديثه، يحمل عدن معه أينما حلّ؛ لا يتحدث عنها ببرود الكاتب، بل بحرارة الابن البار، وغيرة العاشق، وصدق من يخاف على ذاكرة مدينته من النسيان. وكما حفظ سعيد عدن بفنه ولهجته وصوته وحضوره، حفظها نجيب بقلمه وذاكرته ومواقفه وكلماته.

هؤلاء الرجال، ومن شابههم من أوفياء عدن، لم يحبوا المدينة حبًّا عاديًا. أحبّوها كعهد، كهوية، كأم، وكذاكرة لا يجوز أن تُترك للغبار. لم يرفعوا اسمها للشعار، بل حملوا روحها في السلوك، والكتابة، والفن، والموقف، والوفاء.

لذلك فإن رثاء سعيد عولقي هو في حقيقته رثاء لعدن وهي تفقد واحدًا من أصواتها الصادقة، كما فقدت من قبله نجيب يابلي، وكما فقدت كثيرين ممن أحبوها بصدق ولم يطلبوا من حبها جزاءً ولا شكورًا.

سلامٌ على سعيد عولقي؛ العدني روحًا ولهجةً وثقافة، العولقي أصلًا وجذرًا، الشبواني صلابةً وكرامة، الجنوبي موقفاً ووفاءً، واليمني إنساناً وانتماءً.

وسلامٌ على نجيب يابلي، وعلى كل من أحب عدن كما أحبّاها: حبًا نقيًّا، عميقاً، وفيًّا، لا يبهت برحيل الجسد.

رحمهم الله جميعًا، وأسكنهم فسيح جناته، وأبقى عدن، رغم جراحها، مدينةً للذاكرة، والروح، والجمال، والكرامة.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

* نائب وزير الخارجية الأسبق