> «الأيام» غرفة الأخبار:

تتجه الأنظار إلى الجولة الخليجية التي يجريها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في كل من الإمارات والكويت والبحرين، في تحرك دبلوماسي يحمل أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز الطابع البروتوكولي المعتاد. 

وتأتي الزيارة في أعقاب توقيع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مذكرة تفاهم مع إيران، وسط مساعٍ أميركية لشرح أبعاد الاتفاق وطمأنة الحلفاء الخليجيين بشأن تداعياته على أمن المنطقة.

وتُعد الجولة أول تحرك أميركي مباشر تجاه العواصم الخليجية منذ الإعلان عن التفاهم مع طهران، في ظل حالة من الترقب والحذر تسود أوساط دول مجلس التعاون الخليجي إزاء مستقبل العلاقة الأميركية الإيرانية وما قد يترتب عليها من تغييرات في معادلات الأمن الإقليمي.

ورغم الترحيب الخليجي العام بجهود خفض التصعيد وإنهاء المواجهات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، فإن عدداً من العواصم الخليجية لا يزال يتعامل بحذر مع الاتفاق الجديد، خصوصاً في ظل غياب تفاصيل واضحة بشأن عدد من الملفات الأمنية الحساسة التي تمثل مصدر قلق مباشر لدول المنطقة.

وتسعى واشنطن، من خلال جولة روبيو، إلى التأكيد أن التفاهم مع إيران لا يمثل تحولًا استراتيجيًا على حساب شركائها الخليجيين، بل يندرج ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي ومنع اندلاع مواجهات جديدة قد تهدد أمن الطاقة والتجارة الدولية.

ويبرز الملف الاقتصادي كأحد أبرز مصادر القلق الخليجي، خاصة مع تداول معلومات بشأن إنشاء صندوق استثماري أو برنامج لإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني بقيمة تصل إلى 300 مليار دولار. وتخشى بعض دول المنطقة أن يؤدي أي انفراج اقتصادي كبير لطهران إلى تعزيز قدراتها العسكرية أو توسيع نفوذها الإقليمي عبر الجماعات الحليفة لها في عدد من الساحات العربية.

وتستند هذه المخاوف إلى تجارب سابقة رأت فيها دول الخليج أن تخفيف الضغوط الاقتصادية على إيران انعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على زيادة نشاطها الإقليمي وتطوير برامجها العسكرية، الأمر الذي يجعل أي دعم اقتصادي محتمل لطهران محل متابعة دقيقة من قبل العواصم الخليجية.

وفي موازاة ذلك، يبرز ملف الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة كأحد أبرز نقاط الجدل المرتبطة بمذكرة التفاهم. فدول الخليج ترى أن تجاهل هذا الملف أو تأجيل معالجته يترك فجوة مهمة في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، خصوصاً بعد سنوات شهدت خلالها المنطقة هجمات استهدفت منشآت حيوية وممرات استراتيجية.

ومن المتوقع أن يحرص الوزير الأميركي خلال لقاءاته مع قادة الخليج على التأكيد أن مذكرة التفاهم الحالية ليست اتفاقاً نهائياً، وإنما إطار أولي يمهد لمفاوضات أكثر شمولاً خلال المرحلة المقبلة، تشمل ملفات الأمن الإقليمي والصواريخ الباليستية وسلوك إيران في المنطقة.

كما تحمل الجولة بعدًا استراتيجيًا يتعلق بإعادة ترميم الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين. فالشراكة الأمنية بين الجانبين شكلت لعقود أحد أعمدة الاستقرار في المنطقة، فيما تثير أي تفاهمات أميركية إيرانية تساؤلات حول مستقبل هذه العلاقة ومدى استمرار الالتزامات الدفاعية الأميركية تجاه دول الخليج.

وفي هذا السياق، تبدو الإدارة الأميركية حريصة على توجيه رسائل واضحة بأن التقارب مع طهران لا يعني التخلي عن التحالفات التقليدية أو تقليص الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، بل يهدف إلى تعزيز فرص الاستقرار ومنع اندلاع أزمات جديدة تهدد المصالح المشتركة.

كما يتوقع أن يحتل ملف أمن الملاحة البحرية ومضيق هرمز موقعًا متقدمًا في محادثات روبيو، نظرًا لأهمية الممرات البحرية الخليجية بالنسبة لتجارة الطاقة العالمية، ورغبة دول المنطقة في الحصول على ضمانات عملية تحول دون تكرار التهديدات التي شهدتها المنطقة خلال فترات التوتر السابقة.

وتعكس الجولة الخليجية في مجملها إدراك واشنطن أن نجاح أي مسار تفاوضي مع إيران لا يعتمد فقط على التفاهمات الثنائية، بل يرتبط أيضًا بقدرتها على طمأنة حلفائها الخليجيين والحفاظ على توازنات الردع والشراكات الأمنية التي شكلت أساس النظام الإقليمي طوال العقود الماضية. وبذلك تمثل زيارة روبيو محاولة استباقية لاحتواء القلق الخليجي وإثبات أن أي طريق نحو التهدئة مع إيران لا يمكن أن ينجح دون مراعاة هواجس ومصالح شركاء الولايات المتحدة في المنطقة.