لم تعد القضية الجنوبية تحتمل مزيدًا من المجاملة، ولا مزيدًا من الخطاب الذي يرفع الجنوب شعارًا، ثم يجعل السلطة هي الغاية الحقيقية. فالجنوب أكبر من المجلس الانتقالي، وأكبر من أي مكوّن جنوبي آخر، وأكبر من أي زعيم أو قائد أو شيخ أو حزب أو جماعة، مهما كان تاريخها أو حضورها أو تضحياتها.
القضية الجنوبية لم تولد لتكون جسرًا يعبر عليه البعض من موقع إلى آخر، ولا سلّمًا للصعود إلى السلطة، ولا ورقة تفاوض في يد من يغيّر موقعه كلما تغيّرت المصالح. لقد تعب الناس من زعامات تتحدث باسم الجنوب حين تحتاج الجماهير، ثم تنسى الجنوب حين تصل إلى المنصب، أو حين تقترب من النفوذ، أو حين تُفتح أمامها أبواب السلطة.
المشكلة لم تعد في مكوّن بعينه فقط، ولا في المجلس الانتقالي وحده، ولا في الشرعية وحدها، ولا في أي إطار جنوبي آخر وحده. المشكلة أعمق من ذلك: إنها في عقلية سياسية جعلت المكوّن فوق القضية، والزعيم فوق المؤسسة، والمصلحة الخاصة فوق المصلحة العامة، والسلطة فوق الجنوب.
كم من قيادات رفعت شعار الجنوب ثم تنقلت بين المواقع حسب المصلحة؟
وكم من زعامات هاجمت الفساد وهي خارج السلطة، ثم سكتت عنه أو مارسته عندما اقتربت منها؟
وكم من مكوّن بدأ باسم الشعب، ثم صار مشغولًا بالمناصب، والإيرادات، والنفوذ، والولاءات، أكثر من انشغاله بالخدمات، والعدالة، وبناء الدولة؟
لهذا يجب أن نقولها بوضوح: أي مكوّن جنوبي، سواء كان المجلس الانتقالي أو غيره، إذا لم يخدم القضية الجنوبية، وإذا لم يقدم نموذجًا نزيهًا في الإدارة، وإذا لم يحترم الشراكة، وإذا لم يخضع للمحاسبة، فإنه يتحول من حامل للقضية إلى عبء عليها. وأي زعيم جنوبي، مهما علا صوته، إذا جعل همه السلطة لا الجنوب، فهو جزء من المشكلة لا جزء من الحل.
القضية الجنوبية لا تحتاج إلى زعيم جديد يكرر أخطاء من سبقوه، ولا إلى مكوّن جديد يعيد إنتاج الاحتكار باسم الإنقاذ. القضية تحتاج إلى منهج مختلف: مؤسسات لا أفراد، لوائح لا أمزجة، ميثاق شرف لا شعارات، رقابة لا حصانة، ومحاسبة لا مجاملة.
والبداية الحقيقية يجب أن تكون من عدن. فمن يتحدث عن الجنوب ولا يستطيع أن يقدم نموذجًا في عدن، في الكهرباء والماء والأمن والنظافة والقضاء ومكافحة الفساد، لا يستطيع أن يقنع الناس بأنه قادر على بناء دولة. عدن هي الامتحان الأول، ومن يفشل فيها لا يحق له أن يبيع للناس وعودًا كبرى عن المستقبل.
كما أن أي إطار جنوبي قادم يجب أن يعرف كيف يرتب علاقاته مع الشركاء والأصدقاء، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، وفق المصالح المشتركة لا وفق التبعية ولا وفق المغامرة. فالجنوب يحتاج إلى شراكات عاقلة، لا إلى ارتهان، ويحتاج إلى قرار جنوبي مسؤول، لا إلى زعامات تبحث عن رضا هذا الطرف أو ذاك لتثبيت مواقعها.
لقد آن الأوان أن نخرج من دائرة الأشخاص إلى دائرة المؤسسات، ومن منطق الزعيم إلى منطق النظام، ومن صراع المكونات إلى مرجعية جنوبية جامعة، لا تدار بالأهواء ولا بالولاءات، بل بوثائق واضحة، ولوائح ملزمة، وقيادة جماعية، ورقابة شعبية، ومشروع يخدم الناس قبل أن يخدم القيادات.
فالجنوب لن يُنقذ بمن يرفعون صوته في الخطابات ثم يخذلونه في الإدارة. ولن يُبنى بمن يجعلون القضية عنوانًا والسلطة مضمونًا. ولن يستقر إذا بقي كل زعيم ينتقل من موقع إلى آخر، ومن خطاب إلى آخر، ومن تحالف إلى آخر، بحثاً عن موقعه لا عن مستقبل الجنوب.
الخلاصة واضحة:
لا الانتقالي فوق القضية.
ولا أي مكوّن جنوبي فوق القضية.
ولا أي زعيم فوق الجنوب.
ولا شرعية لمن يطلب السلطة باسم الجنوب ثم ينسى الناس.
ولا مستقبل لقضية عادلة تُدار بعقلية المصالح الشخصية.
الجنوب ليس ملكًا لأحد.
والقضية ليست ميراثًا سياسيًا لزعيم أو جماعة.
والسلطة ليست غاية النضال، بل اختبار أخلاقي ووطني لمن يدّعي حمل القضية.
ومن لا يضع الجنوب فوق مصلحته، وفوق مكوّنه، وفوق زعامته، وفوق سلطته، فلا يحق له أن يتحدث باسم الجنوب.
* نائب وزير الخارجية الأسبق
القضية الجنوبية لم تولد لتكون جسرًا يعبر عليه البعض من موقع إلى آخر، ولا سلّمًا للصعود إلى السلطة، ولا ورقة تفاوض في يد من يغيّر موقعه كلما تغيّرت المصالح. لقد تعب الناس من زعامات تتحدث باسم الجنوب حين تحتاج الجماهير، ثم تنسى الجنوب حين تصل إلى المنصب، أو حين تقترب من النفوذ، أو حين تُفتح أمامها أبواب السلطة.
المشكلة لم تعد في مكوّن بعينه فقط، ولا في المجلس الانتقالي وحده، ولا في الشرعية وحدها، ولا في أي إطار جنوبي آخر وحده. المشكلة أعمق من ذلك: إنها في عقلية سياسية جعلت المكوّن فوق القضية، والزعيم فوق المؤسسة، والمصلحة الخاصة فوق المصلحة العامة، والسلطة فوق الجنوب.
كم من قيادات رفعت شعار الجنوب ثم تنقلت بين المواقع حسب المصلحة؟
وكم من زعامات هاجمت الفساد وهي خارج السلطة، ثم سكتت عنه أو مارسته عندما اقتربت منها؟
وكم من مكوّن بدأ باسم الشعب، ثم صار مشغولًا بالمناصب، والإيرادات، والنفوذ، والولاءات، أكثر من انشغاله بالخدمات، والعدالة، وبناء الدولة؟
لهذا يجب أن نقولها بوضوح: أي مكوّن جنوبي، سواء كان المجلس الانتقالي أو غيره، إذا لم يخدم القضية الجنوبية، وإذا لم يقدم نموذجًا نزيهًا في الإدارة، وإذا لم يحترم الشراكة، وإذا لم يخضع للمحاسبة، فإنه يتحول من حامل للقضية إلى عبء عليها. وأي زعيم جنوبي، مهما علا صوته، إذا جعل همه السلطة لا الجنوب، فهو جزء من المشكلة لا جزء من الحل.
القضية الجنوبية لا تحتاج إلى زعيم جديد يكرر أخطاء من سبقوه، ولا إلى مكوّن جديد يعيد إنتاج الاحتكار باسم الإنقاذ. القضية تحتاج إلى منهج مختلف: مؤسسات لا أفراد، لوائح لا أمزجة، ميثاق شرف لا شعارات، رقابة لا حصانة، ومحاسبة لا مجاملة.
والبداية الحقيقية يجب أن تكون من عدن. فمن يتحدث عن الجنوب ولا يستطيع أن يقدم نموذجًا في عدن، في الكهرباء والماء والأمن والنظافة والقضاء ومكافحة الفساد، لا يستطيع أن يقنع الناس بأنه قادر على بناء دولة. عدن هي الامتحان الأول، ومن يفشل فيها لا يحق له أن يبيع للناس وعودًا كبرى عن المستقبل.
كما أن أي إطار جنوبي قادم يجب أن يعرف كيف يرتب علاقاته مع الشركاء والأصدقاء، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، وفق المصالح المشتركة لا وفق التبعية ولا وفق المغامرة. فالجنوب يحتاج إلى شراكات عاقلة، لا إلى ارتهان، ويحتاج إلى قرار جنوبي مسؤول، لا إلى زعامات تبحث عن رضا هذا الطرف أو ذاك لتثبيت مواقعها.
لقد آن الأوان أن نخرج من دائرة الأشخاص إلى دائرة المؤسسات، ومن منطق الزعيم إلى منطق النظام، ومن صراع المكونات إلى مرجعية جنوبية جامعة، لا تدار بالأهواء ولا بالولاءات، بل بوثائق واضحة، ولوائح ملزمة، وقيادة جماعية، ورقابة شعبية، ومشروع يخدم الناس قبل أن يخدم القيادات.
فالجنوب لن يُنقذ بمن يرفعون صوته في الخطابات ثم يخذلونه في الإدارة. ولن يُبنى بمن يجعلون القضية عنوانًا والسلطة مضمونًا. ولن يستقر إذا بقي كل زعيم ينتقل من موقع إلى آخر، ومن خطاب إلى آخر، ومن تحالف إلى آخر، بحثاً عن موقعه لا عن مستقبل الجنوب.
الخلاصة واضحة:
لا الانتقالي فوق القضية.
ولا أي مكوّن جنوبي فوق القضية.
ولا أي زعيم فوق الجنوب.
ولا شرعية لمن يطلب السلطة باسم الجنوب ثم ينسى الناس.
ولا مستقبل لقضية عادلة تُدار بعقلية المصالح الشخصية.
الجنوب ليس ملكًا لأحد.
والقضية ليست ميراثًا سياسيًا لزعيم أو جماعة.
والسلطة ليست غاية النضال، بل اختبار أخلاقي ووطني لمن يدّعي حمل القضية.
ومن لا يضع الجنوب فوق مصلحته، وفوق مكوّنه، وفوق زعامته، وفوق سلطته، فلا يحق له أن يتحدث باسم الجنوب.
* نائب وزير الخارجية الأسبق




















