> «الأيام» العرب:
شهدت السنوات التي أعقبت توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020 تحولاً تدريجياً في البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط، لكن الحرب على غزة، ثم المواجهات الواسعة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، سرعتا هذا التحول بصورة غير مسبوقة.
وبينما قامت اتفاقيات أبراهام على افتراض أن دول الخليج وإسرائيل تتشارك رؤية أمنية موحدة تعتبر إيران التهديد الرئيسي للاستقرار الإقليمي، تبدو هذه الفرضية اليوم أقل رسوخاً مما كانت عليه قبل سنوات قليلة.
وفي نظر العديد من العواصم الخليجية، لم تعد التحديات الأمنية في المنطقة تختزل في النفوذ الإيراني أو البرنامج النووي الإيراني، بل باتت تشمل أيضاً السياسات الإسرائيلية التي يُنظر إليها بشكل متزايد باعتبارها عاملاً مهدداً للاستقرار الإقليمي ومصدراً محتملاً لجر المنطقة إلى صراعات جديدة لا تخدم مصالحها الاقتصادية والتنموية.
وعندما أُطلقت اتفاقيات أبراهام، كانت البيئة الإقليمية مختلفة تماماً. فقد كان التصعيد بين واشنطن وطهران في أوجه، وكانت دول الخليج تنظر بقلق إلى تنامي النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
وفي ذلك الوقت، بدا التعاون مع إسرائيل خياراً منطقياً ضمن رؤية أمنية أوسع تقودها الولايات المتحدة، تقوم على احتواء إيران وتعزيز شبكة من الشراكات السياسية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة.
وقد استفادت إسرائيل من هذه المقاربة عبر تقديم نفسها شريكاً أمنياً يمتلك قدرات عسكرية وتكنولوجية متقدمة يمكن أن تساعد دول الخليج في مواجهة المخاطر المشتركة. كما رأت بعض الدول الخليجية أن التطبيع قد يفتح آفاقاً اقتصادية واستثمارية مهمة، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي.
غير أن التطورات اللاحقة بدأت تُضعف هذا التصور تدريجياً. فمنذ عام 2023، اتجهت دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، إلى تبني سياسات أكثر براغماتية تجاه إيران.
وشكل استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران بوساطة صينية نقطة تحول مهمة في هذا المسار، إذ عكس قناعة متزايدة لدى دول الخليج بأن إدارة الخلافات مع إيران عبر الحوار وخفض التصعيد قد تكون أقل كلفة من سياسة المواجهة المفتوحة.
وجاءت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران لتُعزز هذه القناعة. فبالنسبة لدول الخليج، لم يكن الخطر الرئيسي يتمثل فقط في القوة الإيرانية، بل في احتمال تحول المنطقة إلى ساحة مواجهة واسعة تهدد منشآت الطاقة والموانئ والممرات البحرية ومشاريع التنمية الاقتصادية العملاقة التي تستثمر فيها الحكومات الخليجية مئات المليارات من الدولارات.
وفي هذا السياق، بدأت المصالح الخليجية تتباعد تدريجياً عن الرؤية الإسرائيلية. فبينما تنظر إسرائيل إلى إيران باعتبارها المنافس الإقليمي الأبرز الذي يجب إضعافه أو تحييد قدراته العسكرية والنووية، ترى دول الخليج أن الأولوية تتمثل في منع اندلاع حروب جديدة والحفاظ على بيئة مستقرة تسمح باستمرار النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية.
لكن العامل الأكثر تأثيراً في هذا التحول كان الحرب الإسرائيلية على غزة. فقد أحدثت مشاهد الدمار الواسع والخسائر البشرية الكبيرة صدمة عميقة في الرأي العام.
ولم تتوقف المخاوف الخليجية عند غزة. فالتوسع المستمر للمستوطنات في الضفة الغربية، وتصاعد الاعتداءات على الفلسطينيين، ورفض الحكومة الإسرائيلية تقديم أي أفق واضح لإقامة دولة فلسطينية، كلها عوامل أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الحسابات العربية.
لم تعد إيران التهديد الوحيد في الحسابات الخليجية، بل أصبحت السياسات الإسرائيلية نفسها جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي التي تعيد العواصم الخليجية تقييمها في مرحلة تشهد تحولات عميقة في موازين القوى وأولويات المنطقة.
وأصبح من الصعب على كثير من الدول الخليجية تبرير توسيع مسار التطبيع في ظل غياب أي تقدم سياسي حقيقي بشأن الحقوق الفلسطينية.
كما أن السلوك الإسرائيلي في ملفات إقليمية أخرى عزز هذه المخاوف. فاستمرار العمليات العسكرية في لبنان، رغم الضغوط الأميركية، أوحى لكثير من العواصم العربية بأن إسرائيل لا تشاركها الأولوية نفسها المتعلقة بالاستقرار الإقليمي. وعلى العكس، يتزايد الاعتقاد لدى بعض دوائر صنع القرار الخليجية بأن إسرائيل مستعدة لتحمل مستويات مرتفعة من التوتر وعدم الاستقرار إذا كانت تخدم أهدافها الأمنية والاستراتيجية.
وتبرز هنا مفارقة لافتة؛ فبينما كانت اتفاقيات أبراهام تستند إلى تصور أن إيران هي المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، بدأ بعض المسؤولين والمراقبين الخليجيين ينظرون إلى السياسات الإسرائيلية باعتبارها عاملاً لا يقل خطورة على الاستقرار الإقليمي.
ولا يعني ذلك أن المخاوف الخليجية من إيران قد اختفت، فهذه المخاوف ما زالت قائمة، سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي أو القدرات الصاروخية أو النفوذ الإقليمي. لكن الفارق أن هذه المخاوف لم تعد وحدها التي تحدد السياسات الخليجية.
ويبدو هذا التحول أكثر وضوحاً في الموقف السعودي. فقبل حرب غزة كانت المفاوضات بشأن تطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب تحقق تقدماً ملموساً، وكان يُنظر إلى انضمام السعودية باعتباره الحلقة الأهم في مشروع اتفاقيات أبراهام. لكن الحرب وما رافقها من تداعيات سياسية وإنسانية دفعت القيادة السعودية إلى التشديد مراراً على أن أي تقدم في ملف التطبيع يبقى مرتبطاً بإقامة دولة فلسطينية ووجود مسار سياسي واضح لحل القضية الفلسطينية.
ولذلك، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه اتفاقيات أبراهام اليوم لا يتعلق ببقاء الاتفاقيات القائمة بقدر ما يتعلق بقدرتها على التوسع واكتساب زخم جديد. فالدول الخليجية لم تعد تنظر إلى الأمن الإقليمي من المنظار نفسه الذي تنظر منه إسرائيل.
وإذا كانت تل أبيب تركز على احتواء إيران وتعزيز تفوقها العسكري، فإن دول الخليج أصبحت تضع الاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية ومنع الحروب في مقدمة أولوياتها.
وفي ضوء هذه المعطيات، لم يعد السؤال الأساسي بالنسبة لدول الخليج هو كيفية مواجهة إيران فقط، بل كيفية تجنب أي سياسات أو صراعات قد تهدد استقرار المنطقة بأكملها.
ومن هنا، لم تعد إيران التهديد الوحيد في الحسابات الخليجية، بل أصبحت السياسات الإسرائيلية نفسها جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي التي تعيد العواصم الخليجية تقييمها في مرحلة تشهد تحولات عميقة في موازين القوى وأولويات المنطقة.
وبينما قامت اتفاقيات أبراهام على افتراض أن دول الخليج وإسرائيل تتشارك رؤية أمنية موحدة تعتبر إيران التهديد الرئيسي للاستقرار الإقليمي، تبدو هذه الفرضية اليوم أقل رسوخاً مما كانت عليه قبل سنوات قليلة.
وفي نظر العديد من العواصم الخليجية، لم تعد التحديات الأمنية في المنطقة تختزل في النفوذ الإيراني أو البرنامج النووي الإيراني، بل باتت تشمل أيضاً السياسات الإسرائيلية التي يُنظر إليها بشكل متزايد باعتبارها عاملاً مهدداً للاستقرار الإقليمي ومصدراً محتملاً لجر المنطقة إلى صراعات جديدة لا تخدم مصالحها الاقتصادية والتنموية.
وعندما أُطلقت اتفاقيات أبراهام، كانت البيئة الإقليمية مختلفة تماماً. فقد كان التصعيد بين واشنطن وطهران في أوجه، وكانت دول الخليج تنظر بقلق إلى تنامي النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
وفي ذلك الوقت، بدا التعاون مع إسرائيل خياراً منطقياً ضمن رؤية أمنية أوسع تقودها الولايات المتحدة، تقوم على احتواء إيران وتعزيز شبكة من الشراكات السياسية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة.
وقد استفادت إسرائيل من هذه المقاربة عبر تقديم نفسها شريكاً أمنياً يمتلك قدرات عسكرية وتكنولوجية متقدمة يمكن أن تساعد دول الخليج في مواجهة المخاطر المشتركة. كما رأت بعض الدول الخليجية أن التطبيع قد يفتح آفاقاً اقتصادية واستثمارية مهمة، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي.
غير أن التطورات اللاحقة بدأت تُضعف هذا التصور تدريجياً. فمنذ عام 2023، اتجهت دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، إلى تبني سياسات أكثر براغماتية تجاه إيران.
وشكل استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران بوساطة صينية نقطة تحول مهمة في هذا المسار، إذ عكس قناعة متزايدة لدى دول الخليج بأن إدارة الخلافات مع إيران عبر الحوار وخفض التصعيد قد تكون أقل كلفة من سياسة المواجهة المفتوحة.
وجاءت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران لتُعزز هذه القناعة. فبالنسبة لدول الخليج، لم يكن الخطر الرئيسي يتمثل فقط في القوة الإيرانية، بل في احتمال تحول المنطقة إلى ساحة مواجهة واسعة تهدد منشآت الطاقة والموانئ والممرات البحرية ومشاريع التنمية الاقتصادية العملاقة التي تستثمر فيها الحكومات الخليجية مئات المليارات من الدولارات.
وفي هذا السياق، بدأت المصالح الخليجية تتباعد تدريجياً عن الرؤية الإسرائيلية. فبينما تنظر إسرائيل إلى إيران باعتبارها المنافس الإقليمي الأبرز الذي يجب إضعافه أو تحييد قدراته العسكرية والنووية، ترى دول الخليج أن الأولوية تتمثل في منع اندلاع حروب جديدة والحفاظ على بيئة مستقرة تسمح باستمرار النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية.
لكن العامل الأكثر تأثيراً في هذا التحول كان الحرب الإسرائيلية على غزة. فقد أحدثت مشاهد الدمار الواسع والخسائر البشرية الكبيرة صدمة عميقة في الرأي العام.
ولم تتوقف المخاوف الخليجية عند غزة. فالتوسع المستمر للمستوطنات في الضفة الغربية، وتصاعد الاعتداءات على الفلسطينيين، ورفض الحكومة الإسرائيلية تقديم أي أفق واضح لإقامة دولة فلسطينية، كلها عوامل أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الحسابات العربية.
لم تعد إيران التهديد الوحيد في الحسابات الخليجية، بل أصبحت السياسات الإسرائيلية نفسها جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي التي تعيد العواصم الخليجية تقييمها في مرحلة تشهد تحولات عميقة في موازين القوى وأولويات المنطقة.
وأصبح من الصعب على كثير من الدول الخليجية تبرير توسيع مسار التطبيع في ظل غياب أي تقدم سياسي حقيقي بشأن الحقوق الفلسطينية.
كما أن السلوك الإسرائيلي في ملفات إقليمية أخرى عزز هذه المخاوف. فاستمرار العمليات العسكرية في لبنان، رغم الضغوط الأميركية، أوحى لكثير من العواصم العربية بأن إسرائيل لا تشاركها الأولوية نفسها المتعلقة بالاستقرار الإقليمي. وعلى العكس، يتزايد الاعتقاد لدى بعض دوائر صنع القرار الخليجية بأن إسرائيل مستعدة لتحمل مستويات مرتفعة من التوتر وعدم الاستقرار إذا كانت تخدم أهدافها الأمنية والاستراتيجية.
وتبرز هنا مفارقة لافتة؛ فبينما كانت اتفاقيات أبراهام تستند إلى تصور أن إيران هي المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، بدأ بعض المسؤولين والمراقبين الخليجيين ينظرون إلى السياسات الإسرائيلية باعتبارها عاملاً لا يقل خطورة على الاستقرار الإقليمي.
ولا يعني ذلك أن المخاوف الخليجية من إيران قد اختفت، فهذه المخاوف ما زالت قائمة، سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي أو القدرات الصاروخية أو النفوذ الإقليمي. لكن الفارق أن هذه المخاوف لم تعد وحدها التي تحدد السياسات الخليجية.
ويبدو هذا التحول أكثر وضوحاً في الموقف السعودي. فقبل حرب غزة كانت المفاوضات بشأن تطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب تحقق تقدماً ملموساً، وكان يُنظر إلى انضمام السعودية باعتباره الحلقة الأهم في مشروع اتفاقيات أبراهام. لكن الحرب وما رافقها من تداعيات سياسية وإنسانية دفعت القيادة السعودية إلى التشديد مراراً على أن أي تقدم في ملف التطبيع يبقى مرتبطاً بإقامة دولة فلسطينية ووجود مسار سياسي واضح لحل القضية الفلسطينية.
ولذلك، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه اتفاقيات أبراهام اليوم لا يتعلق ببقاء الاتفاقيات القائمة بقدر ما يتعلق بقدرتها على التوسع واكتساب زخم جديد. فالدول الخليجية لم تعد تنظر إلى الأمن الإقليمي من المنظار نفسه الذي تنظر منه إسرائيل.
وإذا كانت تل أبيب تركز على احتواء إيران وتعزيز تفوقها العسكري، فإن دول الخليج أصبحت تضع الاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية ومنع الحروب في مقدمة أولوياتها.
وفي ضوء هذه المعطيات، لم يعد السؤال الأساسي بالنسبة لدول الخليج هو كيفية مواجهة إيران فقط، بل كيفية تجنب أي سياسات أو صراعات قد تهدد استقرار المنطقة بأكملها.
ومن هنا، لم تعد إيران التهديد الوحيد في الحسابات الخليجية، بل أصبحت السياسات الإسرائيلية نفسها جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي التي تعيد العواصم الخليجية تقييمها في مرحلة تشهد تحولات عميقة في موازين القوى وأولويات المنطقة.

















