ماذا يجري بعد حرب دامت إحدى عشرة سنة؟ بدأت شمالًا، وفي آخر المطاف أصبح الجنوب وحامله السياسي هو المشكلة، ويجب استبداله، بعد أن كان أحد ركائز العملية العسكرية والسياسية، والمعترف به إقليميًا ودوليًا.

شكّل هذا الإجراء صدمة لشعب الجنوب، بينما كانت القوى السياسية الأخرى المناهضة للانتقالي، جنوبية كانت أو يمنية أو غيرها، تنتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر.

هل يعقل التلاعب بتضحيات الجنوب بهذه البساطة؟ وكيف يمكن النظر إلى المشهد السياسي والعسكري الذي بدأ بمحاربة ذراع إيران في اليمن وإعادة الشرعية إلى صنعاء، وانتهى إلى أن أصبح ذراع إيران يحظى بالرعاية من قبل الشرعية والتحالف، بينما لم تعد الشرعية تهتم بموضوع العودة إلى صنعاء، وتحول الجنوب، بهذا الوضع، إلى هدفها الأساسي، وهو الضحية؟

ما لكم كيف تحكمون؟ شعب الجنوب لا يقبل أن يتحول إلى ضحية، وأن تُباع تضحياته لتسوية أوضاع طرف أو عدة أطراف على حسابه، أو أن يكون طرفًا في نزاع إقليمي وصراعات متعددة. ولمن لا يعلم، فإن لدى الجنوب قضية واحدة يناضل من أجلها، وهي فك ارتباطه بالوحدة الفاشلة، أما حرف الصراع وإدخاله في قضايا أخرى فلن تنطلي عليه إطلاقًا.

لا يعقل أن تتبدل المعركة من معركة استعادة الدولة اليمنية في صنعاء إلى معركة ضد الجنوب. وأعتقد بأن هناك قرارات دولية لا تزال قيد التنفيذ، مثل القرار 2216 وغيره من القرارات. أين أصبحت هذه القرارات؟ وهل تخلت الشرعية عن هدف استعادة شرعيتها في صنعاء؟ وهل غيّر التحالف الهدف الذي جاء من أجله، وأصبح الجميع متجهًا نحو الجنوب؟

كيف يمكن محو نضالات شعب الجنوب لأكثر من ثلاثة عقود بهذه البساطة؟ وما هي عقدة حضرموت التي كانت الشرارة التي فتحت النيران على القوات الجنوبية فيها؟ وكأن التحالف لا يعرف أن تلك القوات كانت ذاهبة إلى حضرموت، وكان باستطاعته توقيفها قبل بدء انطلاقتها، بدلًا من أن تتحول إلى مجزرة تقلب موازين القوى لصالح الأطراف اليمنية.

وإذا افترضنا أن هناك خلافًا مع قيادة الانتقالي، فكان يمكن حل أي خلاف معه بطرق مسؤولة، وهي كثيرة، وليس الذهاب إلى محاولة إيجاد بديل عنه. فالتحالف يعرف أن هذا المكون تشكل بإرادة شعبية، وليس لأحد الحق في إلغائه إلا بإرادة شعبية.

والسؤال: لماذا يتم تفكيك الجنوب بحجة إجراء حوار بين مكوناته؟ وهل الشمال وضعه على ما يرام؟ وإذا كان كذلك، فلماذا الحرب؟ فالحل المعقول والمنطقي هو وقف إجراءات تفكيك الجنوب، وإعادة النظر في الإجراءات التي تمت، والدعوة إلى إجراء حوار شمالي–شمالي موازٍ للحوار الجنوبي، تحت إشراف دولي، للخروج بتوافق يحقق السلام في المنطقة.

حتى الحوثي طالب بخروج دول العدوان من الجنوب، يا ترى من يقصد بدول العدوان؟ فالسعودية لديها تفاهمات معه، وبحضور سلطنة عمان، بشأن خارطة طريق، حسب ما نسمعه من وسائل الإعلام. كما جرت محادثات بينهما في الأردن وفي الرياض، فكيف يمكن تفسير ذلك، بينما لا يزال الحوثي يتعمد اختراق الجبهات الجنوبية، في حين تغط جبهات الشرعية في سبات عميق، ولم نسمع حتى قرقعة طماشة واحدة؟

اليوم يعلن الحوثي التعبئة العامة، ومن الواضح أنه متجه إلى الجنوب. فكيف يحصل هذا، بينما الشرعية والتحالف يتبادلان معه اللقاءات والوفود؟ وهل ما يجري من قتال في الجبهات الجنوبية لا يعنيهم؟ فهمونا لماذا يتحمل الجنوب كل هذه الضغوط الهائلة؟ شعب يعيش بلا خدمات ولا مرتبات، ولديه ثروة طائلة، بينما شرعية فاسدة تصرف ببذخ شديد على تحركاتها غير المفيدة وعلى حواشيها، وكأنها ليست في حرب.

أعتقد جازمًا بأن فرصة المراجعة لا تزال قائمة، فنحن نراهن على العقلاء الذين بيدهم إدارة الملف اليمني، وأن يتعاملوا معه بالعدل والإنصاف، وبرؤية استراتيجية تحاكي مصلحة شعوب المنطقة، والابتعاد عن معالجة الوضع بعيون المصلحة الذاتية والآنية، التي سيكون مصيرها الفشل ومزيدًا من الانقسامات، وستكون تكلفة ذلك باهظة على الجميع.

وأخيرًا، همسة في أذن السياسيين الجنوبيين: اتركوا المماحكات فيما بينكم، فرأس الجنوب مطلوب، فهو رأسكم. وفي النهاية، إن لم تكونوا عونًا للجنوب، فلا تكونوا أحصنة طروادة التي تتسبب في هزيمته. اتعظوا بمن سبقكم، سواء من سلّم الجنوب على طبق من ذهب سلمًا، أو من كان رأس حربة لإعادة الجنوب إلى باب اليمن حربًا، فمصيرهما ماثل أمامكم، ولن تقدموا أكثر مما قدم أولئك. فاتقوا الله في شعب الجنوب، وعودوا إلى رشدكم.