لا يزال كثير من أنصار المجلس الانتقالي يعيشون على قناعة بأن ما جرى خلال السنوات الماضية كان الطريق الوحيد لتحقيق تطلعات أبناء الجنوب. غير أن مراجعة التجربة بموضوعية أصبحت ضرورة، فالمراجعة ليست هزيمة، بل هي بداية لتصحيح المسار.

لقد تشكل المجلس الانتقالي في ظروف إقليمية ومحلية معقدة، وحظي بدعم سياسي وعسكري ومالي كبير، إلا أن حصيلة السنوات الماضية تفرض أسئلة مشروعة حول مدى نجاح هذه التجربة في تحقيق الأهداف التي رُفعت شعاراتها. فالخلافات والانقسامات التي شهدها المجلس، وتباعد عدد من قياداته، تعكس أن التجربة واجهت تحديات كبيرة لم تستطع تجاوزها.

لكن في المقابل، ينبغي ألا يتحول النقد إلى خصومة مع القواعد الشعبية التي انضوت تحت راية المجلس. فهؤلاء مواطنون حملوا آمالًا وتطلعات، ومن الخطأ التعامل معهم باعتبارهم خصومًا. المطلوب هو مخاطبتهم بالحجة، واحترام قناعاتهم، وفتح باب الحوار معهم لإقناعهم بأن قضية الجنوب أكبر من أي مكون سياسي، وأوسع من أن يحتكرها حزب أو منطقة أو قبيلة.

لقد وصلت القضية الجنوبية إلى المحافل الإقليمية والدولية بفضل تضحيات آلاف الجنوبيين على مدى سنوات طويلة، وهي اليوم ليست ملكًا لأحد، ولا يستطيع أحد أن يصادرها أو يتحدث باسمها منفردًا.

كما أن الجنوب اليوم ليس هو جنوب عام 2007 عند انطلاق الحراك الجنوبي. فمنذ أكثر من أحد عشر عامًا أصبحت إدارة معظم المحافظات الجنوبية بأيدي قوى جنوبية، ومن حق المواطنين أن يسألوا: ماذا تحقق؟ وكيف أُديرت هذه المرحلة؟ وهل كانت النتائج بمستوى التضحيات والآمال؟

إن الإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة يجب أن تكون مدخلًا لتصحيح المسار، لا لتبادل الاتهامات.

واليوم تبدو الأولويات واضحة: استعادة الأمن وسيادة القانون، وإعادة بناء ما دمرته الحروب، وتحسين الخدمات الأساسية، ورفع المظالم عن المواطنين، وإنعاش الاقتصاد، والأهم من ذلك كله ترميم النسيج الاجتماعي الذي تعرض خلال السنوات الماضية لتصدعات مؤلمة بفعل الاستقطاب السياسي.

إن نجاح أي حوار جنوبي–جنوبي لن يكون مرهونًا بعدد المشاركين فيه، بل بصدق النوايا واستعداد الجميع لتقديم مصلحة الجنوب على المصالح الفئوية والشخصية. فالمستقبل لا يُبنى بروح الثأر، وإنما بعقول منفتحة وقلوب متسامحة، قادرة على التعلم من أخطاء الماضي وصناعة رؤية وطنية جامعة تؤسس لدولة يسودها القانون والعدالة والشراكة.

فالجنوب يحتاج اليوم إلى مشروع وطني يجمع أبناءه، لا إلى مشاريع تزيد من انقسامهم، وإلى خطاب يوحدهم، لا إلى خطاب يعمق الخلاف بينهم. وحدها هذه الروح قادرة على فتح صفحة جديدة تليق بتضحيات أبناء الجنوب وآمال أجياله القادمة.