الرِّوايات التَّاريِخيَّة متواترة عن تَأسيس اليمنيين في إثيوبيا أكسُوم. وَأكسُوم على وزن «أفْعُولْ». وهو وزن حِميَري كـ: أهنوم، وأشمور، وأحجور، وَأصلُوح؛ وعشرات الأسماء بحسب تأكيد علماء اللغة.

يروي الباحث ممتاز العارف في كتابه «الأحباش بين مأرب وأكسوم»؛ وهو مهندس زراعي عراقي، عَمِلَ في منظمة الأمم المتحدة، زُهَاء ثمان سَنَوات، وَدَرسَ البيئة الأثيوبية، وَالتَّاريخ الحبشي دِراسة دقيقة ومُوثَّقة؛ فَيؤرِّخ لمملكة سبأ، وبداية التاريخ الحبشي.

يبدأ التاريخ الحبشي المُدَوَّن بقصة هذه الملكة أو أسطورتها الشَّائعة، وتعرف عند الأحباش باسم مَحلِّي: «ماكيدا» Makeda التي كانت أكسوم الواقعة في شمال الهضبة؛ وبالقرب من حدود إريتريا الحالية عاصمة مُلكِهَا(1).

ويورد قصة سِجِلّ المُلُوك بصورة مُفَصَّلة، وكيف أنَّ هذه الملكة بعد سماعها بحكمة سليمان، أرادت أن تقف على مزاياه، وتختبره، وتقتبس من حكمته؛ فَقَرَّرت القِيام بزيارته؛ فَشدَّت الرِّحَال إلى أورشليم، حوالي السنة 970 قبل الميلاد(2).

وتمضي الرِّواية عن رحلة هذه الملكة، وما اصطحبتهُ معها من أغلى الهدايا: العاج، والطِّيوب، وَالتَّوابل، والذهب، والفضة(3).

يواصل المؤلف نَقلاً عن سِجِّل الملوك الأثيوبي سَردَ قِصَّة الرحلة، وَالأبَّهَة المَلَكية التي رَحَلت معها، من الحاشية، والحرس، وَالخَدَم، وما استقبلت به من المبالغة في التكريم لها ولقادتها. ومقابل السماح لها أن تنام مُنفَردَة،َ ألا تَمَسَّ شَيئًا مِمَّا هو عائد إليه.

وَأوعزَ للطَّباخين أن يكثروا من التَّوَابل في طبخة العشاء.وفي الليل شَعَرتْ بالعطش؛ فَشَربَتْ من جَرَّة المَاء؛ فأذعنت لإرادته، وحملت بالابن غير الشرعي.

وَأهدَاهَا سليمان خَاتمًا منقوشًا، فإذا ولدت ولدًا ذَكرًا؛ تسلمه هذا الخاتم، وتبعثه له؛ وهو ما كان.

تَربَّى الولد وكَبُر عند أبيه، وَاستعدَّ للعودة إلى بلاده، فَسَرقَ العهد القديم (ألواح موسى)؛ فلاحقه قوم أبيه لاسترداد العهد؛ فَانشقَّ البحر، فَساروا حتى وصلوا أكسُوم، ولم يتمكنوا من استعادة العهد الذي أطِبقَ عليه الصَّخر؛ فَبقيَ مَدفونًا بالقُرب من مدينة أكسُوم.

وَتُشيرُ الرِّواية أنَّ الابن اصطحبَ معه عَددًا كَبيرًا من كُلِّ قَبيلة من قبائل بني إسرائيل بَلغُوا اثني عَشَرَ ألفًا.

أسطورة ملكة سَبَأ والملك سُليمَان تُمثِّل جُزءًا هَامًا من التُّرَاث الحَبَشِي؛ مَهمَا قال وكتب عنها النُّقَّاد(4).

ويشير المُؤلِّف نَقلاً عن بَعضِ النُّقُوش التي تَدلُّ على أنَّ مُلوكَ أكسُوم أخذوا يَتطلَّعُون إلى توسيع آفاق ملكهم؛ لَيسَ بالسيطرة على ما جاورهم من البلاد فحسب؛ بل عَمَدُوا إلى عُبور البحر الأحمر على عهد الملك «أفيلاسس»، وَاحتَلُّوا بعض الأجزاء من الجنوب العربي- موطن أسلافهم؛ وذلك سنة 340 ميلادية، وَاستمرَّ احتلالهم لها حتى سنة 374 (5).

وتؤيد الآثار التي دَوَّنَها الملك «إزانة»، أو«أذينة»، في القرن الرابع الميلادي، استمرار سيطرتهم على بعض أجزاء الجنوب العربي، إلى جانب غزوهم «مَروَى» Meroe النُّوبية إلى الشمال(6).

قِصَّة ملكة سبأ في العهد القديم يوردها في «سِفر المُلُوك»، تحت عنوان «ملكة سبأ عند سليمان»، كما أوردها صاحب كتاب «الأحباش بين مأرب وأكسوم»، ولا يذكر موضوع التَّوَابل في طبخة المساء. والقرآن الكريم يورد قِصَّة ملكة سبأ وسليمان في «سُوْرَة سَبَأ».

وَحَقيقةً؛ فَالعهد القديم لا يشير إلى المكان الذي أتت منه ملكة سبأ، ولكن سبأ في التاريخ، وَكُلَّ الرِّوايات الموثقة، والآثار، وَالذَّاكِرة الشَّعبية العربية واليمنية والإسلامية= كُلَّها تؤكد أنَّ سبأ هي دولة اليمن المُؤسِّسَة لبداية الدُّوَل والتاريخ اليمني.

ولكن لدى الأحباش سِجِلِّ مُلُوك، وتاريخ، ومعالم، وآثار، وفلكلور يشهد أنَّ الملكة السبئية قد رَحَلت من الحَبَشة بدون عِلم الهُدهُد الذي لا يشير إليه العهد القديم.

واَلأهَمَّ أنَّ أكسوم- العاصمة الأولى للحبشة جذورها يَمنيِةَّ قَولاً وَاحِدًا، وَأنَّهَا هي الدولة التي أسَّسَت الدولة الأثيوبية وملوك أثيوبيا؛ كَمَا أنَّ مأرب هي العاصمة الأولى للدولة والحضارة اليمنية؛ ومنها، وَبَعدَهَا تعاقبت دُوَل معين، وحضرموت، وقتبان، وأوسان، وحمير.

وللدكتور المؤرخ محمد عبد القادر بافقيه رأي في غاية الأهمية، عن مملكتي سبأ وأكسوم؛ يقول فيه: «قامت مملكة أكسوم- كما هو معروف، وكما تدل آثارها الباقية- في الجزء الجنوبي من أرتيريا، وَأثبَتَت تِلكَ الآثار بِمَا لا يَدع مَجَالاً لِلشَّك الرَّوابط الوثيقة التي كانت تربط بُنَاة تلك المملكة بالحضارة اليمنية؛ وَذَلكَ لأنَّ أقدم النُّقُوش التي عُثِرَ عليها حتى الآن في ذلك البَرِّ الإفريقي لا تَرقَى إلى أبعد من القَرن الخامس قبل الميلاد؛ في حين تعود أقدم النُّقُوش اليَمَنيَّة إلى القرن العَاشِر قبل الميلاد تَقريبًا، كما أنَّ أقدم الأخبار الموثوقة عن مملكة أكسُوم لا ترقى إلى أبعد من القَرن الأول قبل الميلاد؛ في حين تعود أقدم نُقُوش عهد المُكرِّبين في سَبَأ إلى القرن الثَّامِن قَبلَ الميلاد تَقريبًا.

وَهكذا؛ فَإنَّ كل ذلك يشير إلى أنَّ تلك المظاهر الحضارية التي وجدت في البَرِّ الإفريقي والتي كانت لها خَصائص المَظَاهر الحضارية عند اليمنيين، إنَّمَا حَدَثَت بفعل هجرة من الجانب اليمني في وقت يُمكِن تَقدير تاريخه من دراسة تلك الآثار ومقارنته»(7).

تَحَالفَت الدَّولة السبئية والحضرمية مع أكسُوم في الحرب على حِميَر، وَتَحالفَ الحميريون مع أكسُوم مَرةً أخرى في الحرب ضِدَّ مُلُوك سَبَأ، وَكَانت مناطق في «سهرة»، والتي تَمتَدّ إلى نجران، وجيزان، تحت النُّفوذ الحَبَشي.

ويبدو أنَّ تَحالفَ سبأ وحضرموت، ضِدَّ حِميَر، في الغَزو الحَبَشي الأوَّل؛ في عهد الملك يوسف أسار (ذو نُوَاس) الذي غَرِقَ في البحر؛ حتى لا يقع أسيرًا.

وأبرهة، أو ابراهام، أو إبراهيم الأشرَم هو من قَامَ بإصلاح سَدِّ مأرب مُدَوِّنًا اسمه في نقش بِخَطِّ المُسنَد، وَبَنَى «القَليس»، بصنعاء، وَتَحرَّك في قِصَّة الفيل نحو مكة.

وَتُدوِّن نقوش المسند اختلاط حروب الغزو الحبشي، بالصِّرَاعَات اليمنية. ففي بداية الغزو تحالفوا مع سبأ وحضرموت ضِدّ حِميَر، ثُمَّ مَعَ حِميَر ضِدَّ سَبَأ.

وَفِي تِهَامة تحالفت عِدَّة قُبُل مَعَ الحَبَشة إبَّان دولة بني نَجَاح، وكانت قبائل «سهرة» الزُّهرة؛ وهي القبيلة القوية، الممتدة إلى المخلاف السليماني= السَّنَد الحقيقي للدَّولة النجاحية.

فَالمُسنَد اليَمَني الذي جَمعَهُ وَعَلَّقَ عليه المؤرخ الكبير مطهر علي الإرياني، وكتابا «الأحباش بين مأرب وأكسوم»، و«المنهل في تاريخ وأخبار العَفَر وَالدَّنَاكِل»، للشَّيخ جمال الدين الشَّامي، وابنه الدكتور هاشم جمال الدين الشامي، وأبحاث ودراسات الدكتور جعفر الظفاري= شَوَاهد ومراجع مهمة لامتزاج وتداخل تأسيس الدولتين، ووجود قواسم مشتركة أعظم بين الشعبين والحضارتين التي تتلاقى في سَبَأ، وتتشارك وتتحارب في اليهودية والنصرانية.
الهوامش

(1) الأحباش بين مأرب وأكسوم، ممتاز العارف، ص 41.

(2) المصدر السابق، الصفحة نفسها.

(3) المصدر السابق، الصفحة نفسها.

(4) المصدر السابق، ص 43.

(5) المصدر السابق، ص 43.

(6) المصدر السابق، ص 43 و44.

(7) تاريخ اليمن القديم، ص 165.