فيما كنت اطالع صحيفة "الأيام" الصادرة يوم 29 يونيو 2026م لفت نظري خبر حول تكلفة المعيشة عالميًا، وتناول خبر "الأيام" ما جاء في التقرير الصادر عن منصة (نومبيو) العالمية فيما يخص الدول العربية الأغلى في المعيشة، حيث احتلت الإمارات العربية المتحدة المركز الأول عربيًا وجاءت اليمن في المركز الثاني عربيًا وتعاقبت بعدها الدول العربية إلى الأدنى في تكلفة المعيشة.

دفعني الفضول إلى التحقق من هذا الوضع الغريب من خلال محركات البحث، فكيف لدولة هي الأفقر عربيًا، ورواتب العاملين فيها هم الأقل عربيًا، كيف لها أن تحتل المركز الثاني من حيث غلاء المعيشة بعد دولة يتمتع سكانها بمستوى معيشي أفضل بكثير، فمتوسط الأجور في الإمارات هو (ستة آلاف دولار شهريًا) فيما متوسط الأجور في اليمن هو (ستون دولارًا شهريًا) وأظن هذا الرقم مبالغ فيه أو أنه تم احتساب الرواتب الدولارية لأهل السلطة وأشياعهم.

نجزم أن هذه المعادلة الغريبة لم تلفت نظر أي مسؤول حكومي، أو حتى تابعها، فهم يعيشون حالة انفصال عن واقع الحياة في الوطن من جهة، ومن جهة أخرى فهم مسكونون بثقافة الصراع المعشعشة في معظم الذهنية الجنوبية وهي ثقافة متوارثة منذ ما قبل الاستقلال عن بريطانيا في 1967م حتى اليوم عدى فترتي انقطاع قصيرتان، الأولى عند إعلان التصالح الجنوبي في 2006م والثانية عند مواجهة الغزو الثاني للجنوب في 2015م وفي هاتين الفترتين كان للجنوب اليد الطولى.

ثقافة الصراع هذه هي التي هوت بعدن من زهرة مدائن الجزيرة إلى مجرد كتلة سكانية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، ومعاناة الناس في الجنوب ستظل قائمة طالما فقدنا بوصلة الأولويات وذهبنا إلى معارك جانبية ندرك أن المنتصر فيها مهزوم، أو الدخول في حرب هي أقرب إلى محاربة طواحين الهواء التي لا تبقي ظهرًا ولا تقطع أرضًا.

عدن يطلقون عليها عاصمة لكن من يجني المزايا فيها هم الوافدون إليها لشغل المناصب والحصول على الرواتب والمزايا الفاخرة، أما سكان عدن فيعانون من الحرمان الشامل.

في عالم يقوم على المصالح علينا أن ندرك أن عدم تناغمنا مع مصالح الآخرين لا يخدمنا، وفي حالة التشنج السياسي فأن العدو والصديق يريدنا أن نكون في حالة ضعف، وعلى ذلك فأن قوتنا تكمن في إدراك مصالح الآخرين واحترامها أولًا، وثانيًا أن تتوحد القوى السياسية الجنوبية كما حدث في 2006م و 2015م، وهذه الأخيرة لن تتحقق في ظل استعداء الآخرين والتمسك بثقافة الصراع ونهج التكفير السياسي.

وكفى.