عشر سنوات من الانهيار المتواصل لقيمة العملة المحلية، أصبح معها راتب الموظف ومعاش المتقاعد في محافظات "الشرعية" لا يفي بتوفير أبسط المتطلبات المعيشية لأسرهم وأطفالهم لأسبوع واحد فقط.. وبقية الشهر يجتر فيه ذلك الموظف الحكومي أو المتقاعد مرارة ومذلة مد اليد والاستذانة لإبقاء عائلاتهم على قيد الحياة.

بهكذا وضع معيشي مأساوي، كان يقتضي على الحكومة إدراك حقيقة "المجاعة" التي تطحن المواطنين في العاصمة عدن وباقي المحافظات المحررة منذ سنوات، والتي لا يمر يوم إلا وتحذر من استفحالها المنظمات الأممية والدولية، والمسارعة إلى رفع مرتبات الموظفين ومعاشات المتقاعدين بالقدر الذي يؤمن لهم القدرة على توفير مجرد سلة غذائية تسد جوعهم ولو بوجبة طعام واحدة في اليوم طوال أيام الشهر.

بدلًا من ذلك، قامت الحكومة بإعلان رفع مرتبات الموظفين بنسبة "20 بالمائة" وسط إشادات وتهليل وتطبيل رسمي، وكأن الحكومة قد أنهت الأزمة المعيشية لهذا الموظف المغلوب على أمره.. وتجاهلت تمامًا بأن الراتب الأساسي للموظفين هو في الأصل هزيل جدًا، وزيادته بنسبة 20 بالمائة لا تجدي نفعًا على الإطلاق ولن تنتشله من مخالب الجوع والمجاعة المتفاقمة يومًا تلو آخر.

أما المتقاعدين فحدث ولا حرج عن معاناتهم المعيشية المريرة بفعل المعاشات التي بالكاد تتجاوز الأربعين ألف ريال يمني في أحسن الأحوال، ما يعني أن زيادة 20 بالمائة لن يرفع معاشات المتقاعدين إلا بنحو ثمانية آلاف ريال يمني، وهي عمليًا قيمة شراء عبوة زيت طبخ صغيرة.

المؤسف أن حكومات الشرعية المتعاقبة على حكم عدن والمحافظات الجنوبية ومأرب وتعز منذ أكثر من عشر سنوات وحتى اليوم، قد أثبتت أنها تعيش حالة من الانفصام التام عن الوضع المعيشي المأساوي والمزري للشعب في داخل البلاد، ويحول ذلك الانفصام دون إدراكها لوجوب تطبيق معالجات اقتصادية ومالية حقيقية تنتشل المواطنين من المجاعة الطاحنة التي يكابدونها.

الأدهى والأمر أن حكومات الشرعية قد أصبحت مهمتها الأساسية هي تسخير مقدرات البلاد لمصلحة فئة قليلة من مسؤوليها وأتباعهم وأنصارهم.. أما من يكابدون الويلات في داخل الوطن فليس لهم من الحكومة إلا "عانة وبيستين".