ليست كل الأزمات التي تواجه الكيانات السياسية ناتجة عن الضغوط الخارجية، فبعضها يبدأ من الداخل، من طبيعة التكوين التنظيمي وآلية إدارة الاختلافات وتوزيع مراكز النفوذ. ومن هذا المنطلق، تبدو أزمة المجلس الانتقالي الجنوبي، في نظر كثير من المراقبين، مرتبطة إلى حد كبير بتركيبته الداخلية التي ضمت أطيافاً سياسية وتنظيمية متعددة، لكل منها حساباته ورؤيته ومصالحه الخاصة.

لقد أفرزت هذه التركيبة حالة من التباين الداخلي، وتحولت مع مرور الوقت إلى مراكز قوى ولوبيات تعمل بصورة شبه مستقلة، دون وجود مشروع سياسي وتنظيمي جامع قادر على صهر هذه المكونات في إطار هوية واحدة وآليات مؤسسية موحدة. وبدلاً من أن يشكل المجلس نموذجاً لوحدة الصف الجنوبي، بدا وكأنه يعكس داخل بنيته مختلف الانقسامات السياسية التي عرفها الجنوب خلال العقود الماضية، حتى أصبح الحديث عن "جنوب داخل الجنوب" تعبيراً يصف واقعاً سياسياً يراه كثيرون أكثر منه مجرد توصيف إعلامي.

ولم يقتصر أثر هذا الخلل على البناء التنظيمي، بل امتد إلى الأداء السياسي والتنظيمي والإداري الذي كان يفتقر إلى الكثير من مقومات النجاح، حيث تراجعت الأولويات الوطنية أمام صراعات النفوذ والتنافس الداخلي كما أرتفعت وتيرة النزعة الفردية داخل المجلس الأنتقالي، بينما ظل المواطن الجنوبي يواجه أوضاعاً اقتصادية ومعيشية بالغة الصعوبة. وفي المقابل، ترسخ لدى قطاعات من الرأي العام انطباع بأن المكاسب التنظيمية والامتيازات أصبحت تقتصر على المنتمين إلى المجلس ومؤسساته وقواته، في حين بقيت غالبية أبناء الجنوب تعاني من أزمات الخدمات وإنقطاع الرواتب وتدهور مستوى المعيشة.

وخلال السنوات الماضية شهد الجنوب سلسلة من الأزمات السياسية والأمنية في أكثر من محافظة، من بينها حضرموت والمهرة، وهي أزمات يرى كثيرون أنها لم تكن جميعها انعكاساً طبيعياً للواقع المحلي، بل ساهمت حسابات سياسية داخلية وخارجية في تأجيجها وتعقيد مساراتها، الأمر الذي أدى إلى استنزاف الطاقات الجنوبية وإضعاف القضية الجنوبية بدلاً من تعزيزها. 

إن القضية الجنوبية كانت ولا تزال بحاجة إلى مشروع وطني جامع يوحد الصفوف ويقدم المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية والمناطقية والشخصية . أما استمرار الانقسامات والصراعات الداخلية فإنه لا يخدم سوى الأطراف التي لا ترغب في رؤية الجنوب مستقراً أو موحداً حول رؤية سياسية واضحة.

ومن المؤسف أن كثيرًا من المواجهات التي شهدتها بعض الجبهات الجنوبية انتهت بخسائر بشرية مؤلمة، دفع ثمنها شباب جنوبيون قدموا أرواحهم في ظروف مٱساوية تستوجب مراجعة شاملة. ومن هنا تبرز أهمية إجراء تقييم سياسي وعسكري وقانوني لكل القرارات التي قادت إلى تلك الأحداث، وتحديد المسؤوليات وفق الأطر القانونية والمؤسسية، لأن احترام دماء الضحايا يقتضي عدم الاكتفاء بإلقاء اللوم على العوامل الخارجية، بل يفرض أيضًا مساءلة كل من يثبت تقصيره أو مسؤوليته عن أي قرار أسهم في الوصول إلى تلك النتائج.

وفي هذا السياق، يرى عدد من المراقبين أن طريقة إدارة ملف حضرموت والمهرة كشفت عن اختلالات في آليات صناعة القرار السياسي، لا سيما في ظل ما أعلنته شخصيات وقيادات داخل المجلس الانتقالي الجنوبي من أن عدم التشاور والتنسيق مع المملكة العربية السعودية بشأن تلك التطورات مثّل خطأً استراتيجيًا، خصوصًا وأن الرياض كانت تتبنى مقاربة مختلفة تجاه تلك الملفات بحكم دورها المحوري في التحالف العربي وفي جهود إدارة الأزمة اليمنية. وقد أدى تباين المواقف، وفق هذه القراءة، إلى تغيرات في المشهدين السياسي والعسكري لم تكن ضمن حسابات المجلس، الأمر الذي انعكس سلبًا على مسار الأحداث وعلى مجمل القضية الجنوبية في تلك المرحلة.

إن أي مشروع سياسي لا يستطيع الاستمرار إذا عجز عن مراجعة أخطائه وتصحيح مساره. والمجلس الانتقالي الجنوبي، إذا أراد استعادة ثقة الشارع الجنوبي، فهو بحاجة إلى مراجعة جادة لتركيبته التنظيمية وآليات اتخاذ القرار داخله، وإعادة بناء مؤسساته على أسس الكفاءة والشراكة والشفافية، بعيداً عن المحاصصة ومراكز النفوذ. فالقضية الجنوبية أكبر من أي مكون سياسي، ومستقبل الجنوب ينبغي أن يبنى على وحدة الإرادة الوطنية، لا على تعدد الولاءات وتضارب المصالح.