> «الأيام» عربي 21:

في رحلة جوية أشبه ما تكون بالمغامرة، وبعد مرور أكثر من عقد من الزمن على توقف الرحالات المباشرة بين طهران وصنعاء، هبطت فجر الجمعة (3 يوليو الجاري)، طائرة تابعة لشركة ماهان (Mahan Air) الإيرانية في مطار صنعاء الدولي عنوة، على الرغم من وجود وفد سعودي في طهران للمشاركة في مراسيم تشييع المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي، في خطوة أظهرت عدم اكتراث طهران بالتداعيات العسكرية المحتلة التي قد تنشأ بين أهم قوتين في المنطقة.

إيران التي خرجت من أنقاض حرب طاحنة مع أمريكا وإسرائيل تريد إعادة الاعتبار لقوتها العسكرية المسحوقة، لذلك تبدو أكثر عدوانية مما كانت عليه من قبل، إلى حد أنها على استعداد لافتعال صدام إقليمي وتحمل تبعاته، إذا كان ذلك ثمنه إملاء إراداتها على الجيران، وصياغة قواعد اشتباك جديدة معهم، وفرض مسارات قسرية للاتصال بأذرعها العسكرية، فيما تعتقد إيران أنه المجال الحيوي الذي تحدده إرادتها وقدرتها على الوصول العسكري في هذه المنطقة الحيوية من العالم.

تدشن إيران بهذا التصعيد مواجهة إقليمية؛ من أبرز تداعياتها على اليمن ربطه بمخرجات الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مما يهدد بخلق حالة مشابهة للوضع اللبناني، الذي يتجه نحو صدام داخلي، في حين يتجه مسار الحرب في اليمن إلى صدام إقليمي.

وأمر كهذا إن حدث، فسوف يُعيد اليمن إلى أجواء خريف 2014، الذي أنشأت فيه إيران جسرَ إمداد حربيًا جويًا بعد سقوط صنعاء وسيطرة الحوثيين عليها، على نحو قد ينجح معه الإيرانيون وذراعهم في اليمن في التعويض عن خط الإمداد البحري الذي يبدو أنه يواجه صعوبات غير مسبوقة، بعد تشديد الرقابة الأمريكية والغربية عليه خلال الفترة الماضية. وإن نجح الإيرانيون في فرض خيار الخط الجوي المفتوح بين طهران وصنعاء، فإن من شأن ذلك أن يُضيف المزيد من التعقيدات على المشهد العسكري في اليمن ويعزز الانقسام الوطني، ويزيد من منسوب الخطورة الآتية من المشروع الانقلابي ذي الصبغة الطائفية الشمولية في اليمن.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: لماذا لا يتم تحويل التصعيد الإيراني وما تبعه من تصعيد لذراعه في اليمن تجاه السعودية، إلى فرصة استراتيجية لإعادة بناء شراكة حقيقية مع اليمن وحكومته، يبدأ بضخ كوادر قيادية تتمتع بقيمة وطنية وازنة، ويشمل التعزيز المادي والتسليحي للقوات المسلحة اليمنية، وإنهاء هذه الفسيفساء العسكرية دون الوطنية التي أنتجتها عقيدة العداء مع طواحين "الإخوان"، والعمل بكل السبل الممكنة، لتحييد إيران في الساحة اليمنية، عبر التحرك السياسي والدبلوماسي المكثف، وإغراق الانقلابيين بحرب مستحقة ومتعددة الجبهات وكثيفة الخط الناري وسخية التمويل، وينخرط فيها الشعب اليمني بمكوناته وأطيافه المختلفة.