> ناصر السقاف:
عمل أحمد ناجي، وهو مواطن يمني في الخمسينات من عمره، لأكثر من 30 عامًا حمالًا في سوق التربة بمحافظة تعز من خلال مساعدة المتسوقين في نقل البضائع من البسطات إلى سياراتهم، كان يجني ما يكفي من المال لتوفير حياة كريمة لعائلته المكونة من سبعة أفراد. غير أن كل هذا تغير قبل عامين، عندما أصيب بمضاعفات في الكبد، مما منعه من مواصلة عمله.
وقال ناجي: "أخبرني أطباء غير متخصصين في أمراض الكبد أن كبدي لا يعمل بشكل صحيح، لكنهم لم يكونوا متأكدين مما إذا كان هذا هو أصل المشكلة. لقد جعلني هذا الوضع بالكاد قادرًا على المشي، وأحيانًا لا أستطيع الحركة على الإطلاق" وأضاف: "قدم لي بعض أهل الخير الدواء لبضعة أشهر، لكني لم أتعافَ، وحالتي الصحية تزداد سوءًا يومًا بعد يوم".

ونظرًا لأن ناجي ينتمي إلى عائلة فقيرة، لم يكن بمقدوره سوى تحمل تكاليف العلاج في مستشفى محلي، لكن قيل له إن علاج حالته بشكل صحيح يتطلب التوجه لتلقي رعاية متخصصة في مركز طبي بالعاصمة صنعاء أو في عدن. وبالنسبة لرجل يعتمد على إحسان الآخرين لتوفير لقمة العيش لعائلته، فإن دفع تكاليف العلاج الطبي في محافظة أخرى يعد أمرًا شبه مستحيل.
وتابع قائلاً: "السفر إلى عدن أو صنعاء يتطلب الكثير من المال، وأنا عاطل عن العمل. لكني أدعو الله كل يوم وآمل أن يساعدني شخص ما لكي أتعافى يومًا ما".
يعاني اليمن نقصًا حادًّا في الكوادر الصحية الماهرة، حيث تفتقر 18 % من المديريات في جميع أنحاء البلاد تمامًا إلى الأطباء، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. وكان العديد من المهنيين الصحيين الأكثر تأهيلًا في البلاد قد غادروا اليمن منذ فترة طويلة بحثًا عن فرص أفضل في الخارج.
ويسافر اليمنيون القادرون على تحمل تكاليف الرعاية الطبية في الخارج حاليًا إلى مصر والأردن والهند ودول أخرى لتلقي العلاج. أما من لا يملكون المال فلا خيار أمامهم سوى التماس العلاج في الداخل؛ غير أن ما يربو على 12 عامًا من الحرب والتحديات الأخرى تسببت في هجرة جماعية للأدمغة من اليمن، مما أدى إلى تدمير القطاع الصحي في البلاد.
- فقدان عين.. والمخاطرة بالأخرى
يعاني طه نبيل (45 عامًا) من مديرية الشمايتين بتعز، من إعتام عدسة العين (المياه البيضاء) في عينه اليمنى، ومثل ناجي، لم يتمكن من العثور على العلاج المناسب في منطقته. وفي ظل عدم وجود طبيب عيون يعمل في الجوار، تمكن من توفير ما يكفي من المال لإجراء جراحة لدى أخصائي عيون في تعز، ولكن حتى في ذلك الوقت، كان مقدرًا له أن يكون ضحية لهجرة الأدمغة.

وقال نبيل: “ظننت أن الجراحة ستكون بسيطة، ولم أتردد في إجرائها، لكني ندمت على هذا القرار لاحقًا. قبل الجراحة، كانت الرؤية ضبابية فقط، ولكن بعدها، فقدت البصر في تلك العين تمامًا".
وبعد أن سعى لتلقي العلاج من إعتام عدسة العين، يبحث الآن عن طبيب عيون يمكنه إعادة البصر إلى عينه اليمنى، إلا أن العثور على متخصص طبي مؤهل وتوفير مبلغ 4000 دولار لتغطية تكاليف العلاج يثبت أنه مهمة شاقة.
وأضاف نبيل: "لا أعرف أي أطباء عيون يمنيين يمكنهم مساعدتي حقًا، كما أن التماس الرعاية الطبية المناسبة يكلف ثروة هذه الأيام. قبل عام 2015، كان هناك أطباء يمكنهم علاج هذا الأمر، لكن الكثير منهم غادروا البلاد، تاركين المرضى يعانون دون رعاية صحية مناسبة".
ومع عدم القدرة على تحمل تكاليف العناية الطبية المناسبة، ليس أمام نبيل خيار سوى التكيف مع الحياة اليومية باستخدام عين واحدة فقط.
وتابع: “لقد حذرني أطباء العيون من أن الرؤية في عيني اليسرى ستتدهور أيضًا إذا لم أتلقَ العلاج المناسب، ولكن هذا الأمر ببساطة خارج عن إرادتي" .
- هجرة الأدمغة
لقد كان تأثير ذلك على الرعاية الصحية في البلاد عميقًا؛ إذ تبلغ نسبة الأطباء في اليمن اليوم 0.1 طبيب فقط لكل 1000 شخص، وفقًا للبنك الدولي، وهو معدل يقل كثيرًا عن المتوسط الإقليمي البالغ 1.1 طبيب. وعلى سبيل المقارنة، يبلغ المعدل العالمي 1.9، بينما يستقر المعدل في العالم العربي عند 1.2، وتصل النسبة في المناطق الأخرى الهشة والمتأثرة بالصراعات إلى نحو 0.5 في المتوسط.

وبسبب سنوات من الحرب والنقص الحاد في التمويل، أدى انهيار نظام الرعاية الصحية في اليمن إلى ترك ما لا يقل عن 20 مليون يمني – نحو نصف السكان – دون إمكانية الوصول إلى الرعاية الطبية الأساسية. كما أن نصف المرافق الصحية على أقل تقدير غير صالحة للعمل تمامًا، مما يعيق بشكل خطير قدرة البلاد على الاستجابة لتفشي الأمراض المتكررة مثل الكوليرا والدفتيريا.
يقول إسماعيل الحمودي، نائب مدير مكتب الصحة بتعز، إن النقص الحاد في الكوادر الطبية أدى إلى تقييد الوصول إلى الرعاية الصحية لآلاف السكان. وأوضح: "نزح نحو 41 % من الطواقم الطبية في تعز أو غادروا البلاد، مما شكل ضغطًا على الكوادر الطبية المتبقية التي تحاول الحفاظ على تقديم الخدمات".
من جانبه، أفاد عبد الكريم مبارك، نائب مدير البرنامج الوطني بوزارة الصحة في عدن، بأن هجرة الأدمغة من الكوادر الصحية المؤهلة هي السبب وراء الأزمة الحادة التي تشهدها اليمن في الطواقم الطبية.
وأضاف مبارك: "هناك عوامل عديدة تدفع الكوادر الطبية المؤهلة إلى الهجرة، ويأتي على رأسها انخفاض الدخل وعدم انتظام دفع الرواتب. إن الأجور الحالية ببساطة لا تسمح للمهنيين الطبيين بإعالة أسرهم".
كما تسبب نقص المستلزمات الطبية الأساسية، والأجهزة المعطلة، والانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي في إحباط شديد للعاملين في مجال الرعاية الصحية، حيث يشعر الكثير منهم بالعجز عن أداء واجباتهم بشكل صحيح في ظل هذه الظروف.
وقال مبارك: "بينما لا تستطيع الوزارة تحمل تكاليف الرواتب المرتفعة اللازمة لإقناع المهنيين المؤهلين بالبقاء في اليمن، فإنها تبذل قصارى جهدها لإيجاد حلول بديلة. ويشمل ذلك الشراكة مع المنظمات الإنسانية لتقديم حوافز مالية للكوادر الطبية المتبقية".
- استقطاب الكوادر الطبية الأجنبية
كإجراء طارئ ولسد الفجوات في الرعاية الطبية الحرجة والمتخصصة، بدأت المستشفيات في استقطاب أطباء أجانب، بما في ذلك من سوريا.

وأشار مبارك إلى أن استقطاب الكوادر الأجنبية ليس الحل الأمثل نظرًا لتكلفته العالية، ولكنه يساعد في سد الفراغ ويسمح بنقل المعرفة من المهنيين الطبيين الأجانب إلى نظرائهم اليمنيين.
وفي 12 يونيو، وقع طبيبان سوريان، وهما سامر أحمد حسن وزوجته سماهر الموسى، في مرمى النيران ولقيا حتفهما بعد أن فتح مسلح النار على حراس مقر إقامة محافظ عدن. واللافت أنه على الرغم من الوضع الأمني المتوتر، يواصل الأطباء السوريون التوافد إلى اليمن، والعمل في المستشفيات العامة والخاصة بجميع أنحاء البلاد.
وقال الدكتور أحمد، وهو طبيب عظام سوري يعمل في تعز وطلب استخدام اسم مستعار لأسباب أمنية، إن الأنباء المتداولة عن هجرة الأدمغة في اليمن كانت أحد الأسباب التي دفعته لمغادرة سوريا والقدوم إلى هذا البلد قبل ثلاث سنوات.
وأوضح: "لقد سمعت عن النقص الحاد في الكوادر الطبية في اليمن، لذا كنت حريصًا على المجيء والمساعدة في تزويد اليمنيين بالرعاية الطبية التي هم في أمس الحاجة إليها”.
وعلى الرغم من أن تدفق الأطباء الأجانب يخفف الضغط على المهنيين الطبيين اليمنيين، فإنه لا يزال غير كافٍ لخفض الفواتير الطبية بشكل ملحوظ، كما لا يزال الأطباء يعملون دون كلل. وأفاد أحمد بأنه يجري نحو عشر عمليات جراحية كبرى شهريًا، وهو ما يتجاوز ضعف العدد الذي يعمل عليه الجراح عادةً.
ورغم حالة عدم الاستقرار، أكد أحمد أنه لا ينوي الانضمام إلى مئات الأطباء السوريين الآخرين الذين يبحثون عن عمل في أوروبا والخليج.
من جهته، ذكر نبيل، الذي فقد البصر في عينه اليمنى، أنه سمع عن طبيب سوري متخصص قادر على علاج حالته، لكن النقص المستمر في المتخصصين يعني أن الفاتورة ستكون على الأرجح أكبر مما يمكنه تحمله.
واختتم نبيل حديثه:"يبدو أن هناك أطباء عيون سوريين يمكنهم مساعدتي، لكني ببساطة لا أستطيع تحمل تكاليف العملية".
"الجزيرة"




















