> «الأيام» نائف الحساني:

على مدى سنوات الحرب في اليمن، لم تكتفِ الأزمة الاقتصادية بمضاعفة معاناة الآباء، إذ امتدت آثارها لتسلب الأطفال براءتهم، في القرى التي تغيب فيها الرعاية النفسية وتضيق خيارات الحياة، تحولت الضغوط المعيشية إلى بيئة خصبة لليأس، مُثقلةً كاهل الصغار، ودفعت بعضهم نحو نهايات مأساوية.


في قرية مدهافة بمديرية جبل حبشي غربي محافظة تعز، غادرت أسرة الطفل بندر عبده سيف (15 عامًا) المنزل في تمام الساعة الواحدة ظهرًا، وتركته مع شقيقه الأصغر، وأثناء عودتهم كانت الصدمة، إذ وجدوه معلقًا داخل غرفته، ليتحول سكون البيت إلى فاجعة هزت أركان القرية بأكملها.

يروي أحد أقارب الطفل بأسى يعكس حجم الحيرة والوجع اللذين تتركهما الاضطرابات الصامتة في نفوس الأسر، قائلًا” لم نفهم لماذا اختار الرحيل بهذه الطريقة المفزعة، الألم لا يُوصف”.

لم تكن مأساة بندر سوى حلقة في سلسلة تتكرر بوتيرة مقلقة في القرى الريفية في اليمن؛ فقبل يوم واحد فقط من حادثته، عُثر على الطفل خبير عبد الباسط عبد الصمد (14 عامًا) ميتًا شنقًا بجوار منزله في منطقة الشقب بمديرية صبر الموادم. 
  • مأساة صامتة 
يوضح عبد الله المشهري ” أن الحادثة ليست فريدة، قائلاً: للأسف، أصبحت الظاهرة تشبه العدوى، حيث يهدد الطفل بالانتحار تقليدًا لمن سبقه عند غضبه أو رفض مطالبه. تمكّنا من إنقاذ بعضهم، لكن آخرين لم تسعفهم الحياة، في إشارة خطيرة إلى اتساع دائرة الخطر في الريف".


ومنذ اندلاع الحرب، يعيش أكثر من نصف أطفال اليمن في ظروف بالغة القسوة وفق تقارير منظمة اليونيسف، إذ فقد الملايين منهم أحد الوالدين أو كلاهما، بينما أُجبر آخرون على التسرب من المدارس والانخراط في سوق العمل الشاق لتأمين القوت اليومي، فيما انجرف كثيرون نحو جبهات القتال.

يرى الناشط الاجتماعي ياسين مرشد أن هناك حالات مسكوت عنها، مؤكدًا تسجيل نحو 7 حالات انتحار بين الأطفال في مديرية شرعب السلام بتعز خلال السنوات الثلاث الماضية فقط. كما شهدت المحويت في 7 أبريل 2026 انتحار الطفل محمد خالد العيهمي (13 عامًا)، وسجلت حجة في 1 أغسطس 2025 انتحار الطفل سياف أحمد الشمري (12 عامًا).

و يضيف: "خلف الوقائع الموجعة، تختبئ مسببات أعمق تتلخص في التفكك الأسري، والفقر المدقع، وتوقف التعليم، وغياب الرعاية النفسية؛ حيث يتحول الانتحار لدى بعض الأطفال من سلوك صدمة إلى احتجاج صامت ضد واقعٍ لا يُطاق". 
  • تراكمات قاتلة 
يوضح أستاذ علم النفس بجامعة تعز، صادق الشميري” أن انتحار الأطفال يعود لتقييم انفعالي خاص بالطفل، إذ أن الطفل لا يقيم المواقف كالكبار، فمشاعره حادة وقدرته على ضبط انفعالاته لم تكتمل بعد، كما يفتقر للقدرة على رؤية الحلول البعيدة. لذا قد يشعر أن الإهانة، أو التوبيخ، أو الحرمان، أو الخوف من العقاب هي نهاية العالم بالنسبة له؛ فالأطفال لا يريدون الموت بقدر ما يسعون للهروب من ألمٍ نفسي يفوق طاقتهم”


ويضيف الشميري أن فهم الأطفال للموت يظل ناقصًا عاطفيًا؛ إذ يتخيلونه كاختفاء مؤقت أو وسيلة لإيقاف الألم أو لجذب الانتباه ومعاقبة الآخرين دون استيعاب لمفهوم اللاعودة. مؤكدًا أن الإهانة والتحقير والضرب القاسي وكبت المشاعر في البيئات المحافظة تُراكم الألم داخليًا حتى ينفجر بشكل مفاجئ.

الشاب إسماعيل (اسم مستعار)، يروي تجربة محاولته الانتحار قائلًا "وصلت لمرحلة الانتحار بعد أن غدت الملاذ الوحيد المتاح أمامي للهروب من ضغوط أسرية قاسية والتعرض للضرب والإهانة عند أي رفض. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل لاحقتني وصمة مجتمعية كرسها أبناء القرية استنادًا إلى تحقير أسرتي لي أمامهم، فشعرت أنني بلا قيمة وأن الانتحار منفذي الوحيد الخلاص".

وعن تأثير الوسائط، يحذر الشميري من أن عرض مشاهد الانتحار في المسلسلات أو المقاطع المنتشرة يغذي ما يُعرف بـ "عدوى الانتحار" إذ يكتسب الطفل الطريقة ويراها خيارًا ممكنًا عند أول صدمة يتعرض لها. 
  • مؤشرات العنف اليومي 
يرى الباحث في علم الاجتماع بجامعة تعز، عيبان السامعي، أن المعاينة المستمرة لمشاهد الموت والعنف اليومي في سياق الحرب تترك تداعيات بالغة؛ إذ يغدو الموت في وجدان الأطفال مشهدًا اعتياديًا، مما يرفع الاستعداد النفسي للانتحار.


ويضيف السامعي أن نشر بعض الجماعات المسلحة لأيديولوجيا حربية تُقدّس الموت وتُصوّر القتال كبطولة، يسهم في فقدان قيم الحياة والجمال والمحبة لدى الأطفال.

ولمواجهة الكارثة، دعا السامعي إلى تشكيل لجان متخصصة لنشر التوعية النفسية في المدارس والقرى الريفية، وتوظيف منابر المساجد لتعزيز الوعي الأسري، وإنتاج مقاطع فيديو توعوية هادفة باللهجات المحلية، إلى جانب صياغة خطة إعلامية وطنية تُناهض أيديولوجيا الموت وتُكرّس قيم الحياة والتعايش.

يوضح الاختصاصي النفسي بصنعاء، صخر الشدادي، أن ثمة علامات تحذيرية تُنبه الأهل لخطر وشيك؛ أبرزها: تكرار عبارات الرغبة في الموت أو الاختفاء، الانعزال، فقدان الاهتمام باللعب، اضطرابات النوم والأكل، البكاء الخفي، توزيع المقتنيات المحببة، وممارسات إيذاء الذات. كما يحذر من الهدوء المفاجئ الذي يعقب الانهيار الشديد؛ لأنه يعكس غالبًا اتخاذ الطفل قرارًا داخليًا خطيرًا، مشددًا على أن أخطر خطأ هو السخرية من هذه العلامات أو اعتبارها افتعالًا ودلالًا.

وأوضح الشدادي أن التصرف السليم لحظة غضب الطفل يتطلب امتصاص التوتر بدلًا من تغليظ العقوبة، وإبعاده عن الأدوات الحادة بهدوء، والامتناع عن إذلاله بكلمات قاسية تبقى حفرة في ذاكرته.

وأكد بأن الأسر في الأرياف يمكنها بناء خط دفاع نفسي متين عبر ممارسات بسيطة؛ كجعل المنزل مساحة آمنة للحوار، وتخصيص وقت يومي للحديث مع الطفل، وتدريبه على تسمية مشاعره بدلاً من كبتها، وترسيخ مفهوم أن الخطأ قابل للإصلاح، مؤكدًا أن كلمة دافئة في اللحظة المناسبة قد تنقذ طفلًا من قرار اندفاعي مأساوي.

وكانت إحصائية ميدانية أعدتها مؤسسة تمكين المرأة اليمنية، وثقت نحو 200 حالة انتحار بأسماء الضحايا وتفاصيلهم في 18 محافظة يمنية خلال الفترة من 2015 حتى 2025، وشملت 34 طفلًا، و32 امرأة، و64 معلمًا وموظفًا حكوميًا، حيث تصدرت محافظات إب، وتعز، وصنعاء، وذمار أعلى المعدلات.