> رضوم «الأيام» خاص:

في الوقت الذي تقف فيه منشأة بلحاف الغازية كواحدة من أكبر المنشآت الاقتصادية والطاقة في اليمن، لا يزال أبناء مديرية رضوم (الواقعة على مرمى حجر منها) يعيشون تحت رحمة تيار كهربائي مضطرب، لا يكاد يستقر لدقائق حتى ينطفئ من جديد، في مشهد يكشف حجم الخلل الإداري والفني الذي يضرب منظومة الكهرباء القادمة من بلحاف.

التيار الذي كان يفترض أن يكون نعمة لأبناء المديرية تحول إلى مصدر قلق يومي، بفعل الانقطاعات المتكررة التي تتجاوز في بعض الأحيان أكثر من عشرين مرة خلال الساعة الواحدة، الأمر الذي جعل المواطنين يعيشون في حالة استنزاف نفسي ومادي متواصل، وأفقد الخدمة معناها الحقيقي.

وقد سبق أن وثقت تقارير إخبارية وشكاوى محلية تصاعد غضب أهالي رضوم من هذه الانقطاعات، مع اتهامات بغياب الحلول الفنية الجذرية، إضافة إلى التحذير من تلف الشبكة نتيجة الارتدادات والإطفاءات المتكررة. 
  • انقطاع كل دقيقتين..كهرباء أم عبث تقني؟
بحسب إفادات عدد من سكان رضوم، فإن الكهرباء القادمة من منشأة بلحاف لم تعد تعرف معنى الاستقرار، إذ ينطفئ التيار ويعود بشكل متكرر ومفاجئ طوال ساعات اليوم، حتى بات المواطنون يصفون الوضع بأنه:"كهرباء الومضة..تأتي لثوانٍ وتغيب لدقائق"
ويؤكد الأهالي أن الانقطاع في الساعة الواحدة قد يتجاوز عشرين مرة، وهو معدل خطير لا يحدث حتى في أسوأ الشبكات المتهالكة، ما يشير بوضوح إلى وجود خلل فني جسيم في أنظمة الحماية والتحكم أو سوء تشغيل مباشر داخل المنظومة.

فالمعروف هندسياً أن تكرار الفصل والإرجاع بهذه الصورة يعني أحد أمرين إما وجود أحمال غير محسوبة يتم التعامل معها بعشوائية، أو غياب مهندسين مختصين قادرين على تثبيت الفولتية ومعالجة التذبذب ومنع الارتداد الكهربائي.

وهو ما يتطابق مع ما أكدته مصادر محلية سابقة من أن إدارة الكهرباء تعاني من عدم وجود فنيين مؤهلين وعدم القدرة على احتواء الأعطال بصورة احترافية.

و المثير في القضية أن المشكلة لا تبدو مرتبطة بغياب مصدر الطاقة، فالكهرباء أساساً تأتي من منشأة غازية عملاقة يفترض أن تمتلك قدرة إنتاجية مستقرة، لكن الخلل الحقيقي وفق مراقبين يكمن في الطرف المحلي المشغّل لشبكة التوزيع والنقل داخل رضوم.

مصادر فنية تحدثت أن لجنة الكهرباء المشرفة على الخط تعاني من غياب الكادر الهندسي المتخصص، و الاعتماد على عمال تشغيل محدودي الخبرة، و ضعف المتابعة الفنية للأحمال، و غياب الصيانة الدورية، و عدم وجود مركز تحكم حقيقي يراقب استقرار التيار.

وبالتالي فإن أي حمل زائد أو هبوط بسيط في الفولتية يتحول إلى مسلسل فصل متكرر دون قدرة على احتوائه.

ويؤكد مختصون أن الشبكات الكهربائية حين تُدار بعقلية "التجريب اليومي" لا بعقلية الهندسة الفنية، فإن النتيجة تكون خدمة متذبذبة تستهلك المعدات وتحرق ثقة الناس معاً.
  • أدوات كهربائية رديئة
ولم يتوقف الأمر عند سوء التشغيل فقط، بل يتحدث المواطنون عن أن كثيراً من المعدات المستخدمة في الشبكة من قواطع ومحولات وأسلاك ووصلات هي أدوات رديئة ومنخفضة الجودة، لا تتحمل الضغط ولا تتوافق مع حجم الأحمال.

هذه الرداءة أدت إلى سخونة مفرطة في الخطوط، و احتراق متكرر للفيوزات، و ضعف في ثبات التيار، و هبوط وارتفاع مفاجئ في الجهد الكهربائي، و زيادة الارتداد الكهربائي الذي يسبب الانطفاء المتكرر.

وفي يوليو 2025 ناقش مسؤولون محليون ذات المشكلة، حيث أشير رسمياً إلى أن تردي الشبكة الحالية والانقطاعات المتكررة تسببت في إتلاف محولات واندلاع حرائق في الأعمدة الكهربائية، وهو ما يعزز أن الأزمة ليست طارئة بل هي أزمة بنية تشغيلية مهترئة.

و الضحية الأولى هي منازل المواطنين وأجهزتهم، فالانطفاء والاشتغال المتكرر لا يمر دون خسائر. فكل مرة يعود فيها التيار بشكل مفاجئ تتعرض المكيفات، الثلاجات، الشاشات، مضخات المياه، أجهزة الإنترنت، واللمبات المنزلية إلى صدمة كهربائية نتيجة التذبذب، وهو ما تسبب بحسب شكاوى الأهالي في احتراق عشرات الأجهزة خلال الأشهر الماضية.

أحد المواطنين في مدينة رضوم يقول:"الثلاجة تعطلت، والمكيف احترق، وكل يوم نعيش على خوف متى يرجع التيار بقوة ويحرق ما تبقى"
أما أصحاب المحلات التجارية فيؤكدون أن الانقطاع المستمر أفسد المواد الغذائية وعطل أعمالهم اليومية، خصوصاً في ظل الرطوبة الساحلية وحرارة الصيف الخانقة.
  • منشأة بمليارات.. ومديرية في الظلام
المفارقة الأكثر إيلاماً أن رضوم، التي تحتضن منشأة بلحاف الغازية منذ سنوات، ما تزال عاجزة عن الحصول على خدمة كهرباء مستقرة وآمنة. فالمديرية التي قدمت الأرض والساحل والموقع الاستراتيجي للمشروع الوطني الأكبر، تجد نفسها اليوم تكافح من أجل "تيار لا ينطفئ كل دقيقة".

وقد شهدت السنوات الماضية احتجاجات شعبية متكررة أمام منشأة بلحاف للمطالبة بإعادة التيار وتحسين الخدمة، وسط شعور عام لدى السكان بأن المديرية تُدار خدمياً بمنطق الإهمال والتهميش رغم أنها تقع في قلب الثروة الغازية.
 
و يطرح المواطنون الكثير من الأسئلة حول الإيرادات و لجان الرقابة و المعدات الرديئة و مخصصات الصيانة، و لماذا لا يوجد مهندسون محترفون يشرفون على الشبكة؟

وكيف لمنشأة غازية عملاقة أن تعجز عن توفير تيار مستقر لمديرية واحدة؟

بعد تتبع شكاوى الأهالي، والرجوع إلى الإفادات المحلية، ومراجعة الوقائع المتكررة خلال العامين الماضيين، يتضح أن أزمة كهرباء رضوم ليست في غياب مصدر الطاقة، بل في سوء الإدارة، غياب المهندسين، رداءة الأدوات، وغياب المحاسبة.

فالكهرباء القادمة من بلحاف تتحول داخل رضوم إلى شبكة مرتعشة، ولهذا فإن أبناء رضوم لم يعودوا يطالبون فقط بعودة التيار، بل يطالبون بتغيير كامل للجنة الكهرباء، و إحلال مهندسين وفنيين متخصصين، و استبدال الشبكة المتهالكة والأدوات الرديئة، و إنشاء نظام حماية وتحكم حديث، و فتح تحقيق شفاف في أسباب هذا العبث المستمر.