> تقرير / عبدالقادر باراس
- من المخا إلى عدن.. نازحون حملوا "جلدتهم" وما تبقى من حياتهم
من البرح والمخا إلى عدن، حملت أسر نازحة "جلدتها" وفرّت تاركةً خلفها بيوتها وممتلكاتها مزقتها. بعضهم وصل إلى المخيم بلا فرش أو ملابس أو أوانٍ منزلية، وبعضهم لم يجد حتى خيمة تتسع لجميع أفراد أسرته، فيما لا تزال أسر أخرى تنتظر إدراجها ضمن قوائم المساعدات الغذائية. لكن النزوح لم ينتهِ عند بوابة المخيم، هناك تبدأ معاناة أخرى عنوانها البحث عن أبسط مقومات الحياة، من مأوى مناسب وطعام ومياه، إلى دورات مياه تحفظ الخصوصية والكرامة، ورعاية صحية يحتاجها المرضى والنساء والأطفال.

وتأتي هذه الاحتياجات في ظل تزايد أعداد الأسر النازحة إلى عدن، مع استمرار موجات النزوح من مناطق المواجهات، الأمر الذي يضع المخيمات والجهات المعنية أمام احتياجات إنسانية متزايدة. وأوضح مدير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في عدن، محمد الصوفي، أن الوضع الإنساني للنازحين في مخيم الفردوس المستحدث حديثًا صعب جدًا، في ظل استمرار احتدام المعارك في مناطق الصراع في موزع وحيس والبرح والمخا والوازعية، الأمر الذي دفع بأعداد متزايدة من الأسر إلى النزوح باتجاه محافظة تعز وبحرًا إلى جيبوتي وإلى العاصمة عدن.

وقال الصوفي لـ "الأيام" إن أعداد النازحين تتزايد بشكل يومي، مشيرًا إلى أن الوحدة التنفيذية شكلت فريقًا بالتنسيق مع الجهاز المركزي للإحصاء واللجان المجتمعية بالعاصمة عدن، إلى جانب غرفة عمليات مشتركة تعقد اجتماعاتها بصورة مستمرة لرصد حركة النزوح وأعداد الأسر الوافدة إلى المخيمات.
وأضاف: "بمجرد دخول أي أسرة إلى المخيم، يقوم الفريق بالنزول والرصد وتسجيل عدد أفراد الأسرة، وذلك بهدف الوصول إلى بيانات دقيقة عن أعداد النازحين واحتياجاتهم".
وأشار الصوفي إلى أن مخيم الفردوس بمديرية البريقة يُعد من أكبر المخيمات المستحدثة في عدن، وإنشاءه جاء بتوجيه ودعم من وزير الدولة محافظ العاصمة عدن، في ظل تزايد أعداد الأسر النازحة من مناطق المواجهات.
وأوضح أن موجات النزوح إلى عدن بدأت منذ سيطرة جماعة الحوثيين على المخا وحيس، حيث وصلت أعداد كبيرة من الأسر النازحة إلى العاصمة منذ الأسبوع الماضي، موضحًا أن بعض هذه الأسر اضطرت إلى الإقامة في الفنادق، فيما استأجرت أسر أخرى منازل داخل الأحياء، غير أن ارتفاع تكاليف الإقامة أدى إلى تعثر أوضاع كثير من النازحين وعدم قدرتهم على سداد مستحقات الفنادق. وبيّن أن عددًا من تلك الأسر وجّهت مناشدات إلى السلطات المحلية للتدخل ومساعدتها.

ولفت الصوفي إلى أن الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في عدن عملت كذلك على إنشاء مخيم في مستشفى محمد بن زايد في منطقة العريش بمديرية خورمكسر، ضمن الجهود الرامية إلى توفير أماكن إيواء للأسر التي تصل إلى العاصمة.
وبشأن مخيم الفردوس، قال إن المحافظ وجّه بإنشاء ألف خيمة، بطاقة استيعابية تصل إلى نحو ألف أسرة، مؤكدًا أن أعداد النازحين ما تزال في تزايد مستمر نتيجة استمرار النزوح من مناطق المواجهات.
ووفقًا للصوفي، بلغ عدد النازحين في مخيم الفردوس، حتى تاريخ 13 سبتمبر نحو 665 نازحًا، غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن، فيما يضم المخيم أكثر من مائة أسرة.
وأكد أن الوحدة التنفيذية تواصل متابعة أوضاع النازحين في بقية المخيمات ومواقع الإيواء في عدن، بما في ذلك المخيمات الواقعة في مديريتي دار سعد وخورمكسر، رغم التحديات المرتبطة بضعف البنية التحتية واحتياجات النازحين المتزايدة. وخلال تجوال "الأيام" في أرجاء المخيم، اطلعت على سير العمل وما أُنجز من خدمات لتوفير الاحتياجات الأساسية للنازحين، ومن بينها خدمة المعاينة الطبية الطارئة التي تقيمها وزارة الصحة، ممثلة بقطاع الرعاية الصحية في عدن، بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).

وفي الخيمة الطبية، وجدت "الأيام" طاقمًا طبيًا ومتطوعات يواصلن العمل بما هو متاح من إمكانات، في ظل نقص المعدات والأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية. وبحسب ما رصدته الصحيفة، لا تتوافر للخيمة سوى حقيبة إسعافات بسيطة قدمها الهلال الأحمر، فيما لا تزال الوحدة الطبية تنتظر توفير احتياجاتها الأساسية التي سبق أن وُعدت بها. ورغم محدودية الإمكانات، يواصل الطاقم الطبي عمله منذ الأيام الأولى لإنشاء المخيم، حين وصلت إليه أول خمس أسر نازحة، مقدمًا خدمات المعاينة الطبية الطارئة وفق ما يتوافر لديه من إمكانات.
وبين خيام المخيم، تبدو احتياجات النازحين أكبر من الخدمات المتاحة حاليًا؛ أسر وصلت بعد أن تركت خلفها منازلها وممتلكاتها، وأطفال ونساء وكبار سن يبحثون عن مأوى آمن وغذاء ومياه ورعاية صحية، فيما تبقى آمالهم معلقة على استكمال الخدمات وتوفير الاحتياجات الأساسية التي تجعل حياتهم داخل المخيم أقل قسوة. وفي شهادات لنازحين التقتهم "الأيام" تتكرر تفاصيل رحلة نزوحهم وما رافقها من خوف وفقدان ومشقة، إلى جانب الاحتياجات الضرورية التي تواجه اسرهم داخل المخيم.
ويروي النازح هيثم قاسم دغيش، 25 عامًا، لـ "الأيام" تفاصيل رحلة نزوحه مع أسرته، المكونة من زوجته وأطفاله الخمسة، قائلًا إن اشتداد المعارك أجبرهم على مغادرة منزلهم في منطقة البرح والتوجه إلى المخا، قبل أن يضطروا إلى النزوح مجددًا إلى عدن مع تصاعد المعارك هناك. وأضاف دغيش "الخيمة التي أُعطيت لنا لا تكفينا، فنحن سبعة أشخاص، وأحيانًا نضطر إلى النوم خارج الخيمة».
وأوضح أن أسرته لا تزال تفتقر إلى عدد من الاحتياجات الضرورية، من بينها الفرش والملابس والبطانيات وترمس للمياه والأواني المنزلية، مشيرًا إلى أنهم "حتى الآن لم نستلم أي سلال غذائية".
وقال إن الأسرة تعتمد حاليًا على الوجبات التي تُقدم لها ثلاث مرات يوميًا، والمكونة من الأرز والخبز والفاصوليا، لافتًا إلى حاجتهم أيضًا إلى دورة مياه "حمامات" داخل المخيم. وأكد دغيش أن ما تحتاجه أسرته هو توفير أبسط الاحتياجات الأساسية التي تساعدهم على مواجهة ظروف النزوح والعيش بقدر من الأمان والكرامة.

يقول النازح إبراهيم أحمد صالح الموزعي، 30 عامًا، إنه نزح مع زوجته وأطفالهما الأربعة ووالدة زوجته من منطقة البرح خلال معارك عام 2016، متجهين إلى أبين، قبل أن تستقر بهم الحال في عام 2019 بمنطقة السويس في المخا.
ويضيف الموزعي أنهم اضطروا لاحقًا إلى النزوح مجددًا من المخا، بعد أن عاشوا فيها، بحسب شهادته، تحت الخوف والرعب. ويقول: "الحمد لله، نحن الآن في عدن". ويأمل الموزعي أن يوفر المخيم والقائمون عليه أبسط الاحتياجات الأساسية للعيش، موضحًا أن من أبرز ما يحتاجونه حاليا دورات مياه وملابس للأطفال ورعاية صحية كون زوجته حامل في شهرها الخامس.
بملامح حزينة يروي النازح بكيل أحمد محمد عبدالوهاب، 28 عاماً، جانباً من معاناة أسرته بعد فرارها من مدينة المخا.
يقول بكيل، وهو متزوج ولديه ثلاثة أولاد، ويعيش برفقة زوجته ووالدتها "نزحنا من المخا المدينة فجر يوم الخميس الماضي، وحالنا يرثى لها. أضعنا كل ما نملك، ولم نحمل معنا شيئاً من أغراضنا، ولم يتبقَّ لنا سوى جلدتنا". ويضيف أن أسرته وصلت إلى المخيم وهي تفتقر إلى الاحتياجات الأساسية، معتمدة على الله في تجاوز ظروف النزوح القاسية، قائلاً: "الله معنا، ونستعين به بالستر والعافية، وأن يلطف بعباده".

ويناشد بكيل القائمين على المخيم والجهات المعنية الاهتمام بالأسر النازحة وتوفير احتياجاتها الضرورية، خصوصاً ما يتعلق بالمأوى والغذاء والملبس والرعاية الطبية، مؤكداً أن الأسر النازحة بحاجة إلى أبسط مقومات الحياة بعد أن فقدت ممتلكاتها ولم تتمكن من حمل شيء معها أثناء النزوح. بعد ثلاثة أيام فقط من وصوله إلى المخيم، يجد النازح طالب طلبي علي، 30 عاماً، نفسه أمام أعباء جديدة تضاف إلى معاناة النزوح، برفقة زوجته وأطفاله الأربعة ووالده.
يقول طالب إنه قدم مع أسرته من المخا، حاملاً ما استطاع من أغراضه على متن سيارة نقل "دينا". ولتأمين كلفة الرحلة، اضطر إلى الاستدانة، ولم يتمكن عند وصوله إلى المخيم سوى من دفع 400 ألف ريال يمني من أصل 800 ألف ريال أجرة النقل، فيما لا يزال مطالباً بسداد النصف المتبقي. لكن الديون ليست وحدها ما يثقل كاهله.
يقول طالب إن أسرته تفتقر إلى أبسط الاحتياجات، وفي مقدمتها دورات المياه، التي لا تتوفر، فيما تقع مصادر المياه بعيداً عن مكان إقامتهم. ويضيف: "نضطر للخروج إلى مكان خالٍ لقضاء حاجتنا". كما يقول إن أسرته لم تُسجل حتى الآن ضمن كشوفات المستحقين للسلل الغذائية وغيرها من المساعدات، ما يزيد من صعوبة تأمين احتياجات أطفاله وأسرته.

تتحدث أم قيس لـ "الأيام" وصلت إلى عدن قبل خمسة أيام برفقة أطفالها السبعة، بعد رحلة نزوحهم الشاقة تاركةً خلفها منزلها في المخا، لتبدأ رحلة أخرى بحثاً عن مأوى يحميها وأطفالها.
تقول أم قيس إنها قضت يومين في منطقة كابوتا بمديرية المنصورة، لدى أحد معارفها، بينما كانت تبحث عن مسكن، لكن ضيق المكان وصعوبة الظروف دفعاها إلى مغادرته، لتنتقل قبل يومين إلى مخيم الفردوس للنازحين. تستعيد أم قيس تفاصيل رحلتها التي قادتها وأطفالها إلى عدن، قائلة: "بعد أن تبهدلنا بهذه الحرب وتركنا بيوتنا وغادرنا المخا، استمرينا نسير ونتعبر ونتوقف على مدى يومين حتى وصلنا إلى عدن".
لم تكن رحلة نزوحنا وحدها ما أثقل كاهلها؛ فأم قيس أرملة منذ سبع سنوات، ولا تملك مصدراً للدخل، كما تقول إنها مصابة بمرض في القلب، فيما يعاني أحد أبنائها من ضمور. ولم تتوقف معاناتها عند ذلك، إذ نزحت شقيقتها أيضاً وتسكن في خيمة قريبة منها، وهي الأخرى تعاني من أمراض. ورغم كل ما تحمله من أعباء، تختصر أم قيس حالها بكلمات يغلب عليها الصبر "نقول الحمدلله على كل حال، وكل ما هو مكتوب من عنده".
أم قيس لا تطلب سوى توفير الاحتياجات الأساسية التي تجعل حياتها بداخل هذا المخيم أقل قسوة عليها وعلى أطفالها، وفي مقدمتها المراوح والإضاءة والحمامات، إلى جانب توفير الرعاية الصحية. خلف خيمتها، تحاول أم قيس أن تحمي أطفالها السبعة من قسوة النزوح، فيما تواجه وحدها أعباء الفقد والمرض والفقر، وتتمسك بما تبقى لديها من صبر وأمل وسط حياة فرضتها الحرب ولم تخترها.
تقية جميل علي، 28 عاماً، أم لثلاثة أطفال، وجدت نفسها مجبرة على النزوح من المخا إلى عدن، حاملةً معها أطفالها وقلقاً لا يفارقها على مصير زوجها، الذي فرّقتهم عنه الحرب بعد أن أجبرتهم على ترك منزلهم والتشتت. قبل ستة أيام، غادرت تقية المخا برفقة عدد من الأسر النازحة، متجهةً إلى عدن بحثاً عن الأمان. وعند وصولها، لجأت إلى أقارب لها في مدينة الشعب، حيث مكثت ثلاثة أيام، لكنها لم تجد هناك المساحة الكافية التي تخفف عنها وعن أطفالها قسوة النزوح.
تقول تقية: "جلسنا عند أقاربنا ثلاثة أيام، وشعرنا بالضيق، وفي اليوم الرابع، سمعت عن وجود مخيم للنازحين فتوجهت إليه". لكن الوصول إلى المخيم لم ينهِ معاناة تقية؛ فما تزال تحمل همّ أطفالها، وتعيش على ألم بفراق زوجها الذي لا تعرف شيئاً عن مصيره، بعد أن شتتتهم الحرب وأجبرتهم على ترك منزلهم وحياتهم خلفهم.
وتختم حديثها لـ "الأيام" في نزوحنا، لم اتحمل معي سوى أطفالي وإنقاذهم من متاعب الطريق، بينما بقي بيتي وزوجي في مكان لا أعرف متى سأتمكن من العودة إليه.
وفي سياق شهاداتهم، سألت "الأيام" عددًا من النازحين عن ما جرى تداوله في بعض المواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي بشأن تعرضهم للسرقة والنهب أثناء دخولهم إلى الأراضي الجنوبية الخاضعة لسيطرة القوات الجنوبية. نفى النازحون الذين التقتهم الصحيفة تعرضهم لمثل هذه الحوادث، مؤكدين أن ما واجهوه خلال رحلة النزوح تمثل في مشقة الطريق وفقدان المساكن والممتلكات، والوصول إلى المخيم وهم بحاجة إلى أبسط مقومات الحياة.













