> عدن "الأيام" خاص:

​كشفت بيانات مالية رسمية في محافظات الجنوب والمناطق المحررة عن مفارقة متزايدة في المناطق المحررة، تتمثل في ارتفاع ملحوظ بحجم الإيرادات الحكومية، مقابل استمرار الأزمات الخدمية والمعيشية، وفي مقدمتها الكهرباء والرواتب وتراجع القدرة الشرائية، ما يثير تساؤلات حول أولويات الإنفاق الحكومي ومدى انعكاس الموارد المتاحة على حياة المواطنين.

وبحسب أحدث بيانات البنك المركزي اليمني في العاصمة عدن بشأن تنفيذ الموازنة العامة حتى نهاية مايو 2026، بلغت الإيرادات العامة نحو 853 مليار ريال، مقابل نفقات بلغت قرابة 810 مليارات ريال، محققة فائضاً نقدياً بنحو 42.4 مليار ريال.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر عند مقارنتها بالفترة نفسها من العام الماضي؛ إذ أظهرت بيانات البنك المركزي أن الإيرادات خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2025 بلغت نحو 435 مليار ريال، ما يعني أن الإيرادات المسجلة خلال الفترة ذاتها من 2026 اقتربت من الضعف.

غير أن هذه القفزة المالية لم تنعكس بصورة موازية على مستوى الخدمات. فلا تزال أزمة الكهرباء تضغط على السكان، خصوصاً في المدن الساحلية، بينما تواجه رواتب الموظفين والقطاعات العسكرية والأمنية مشكلات مرتبطة بالانتظام والصرف، في وقت تواصل فيه أسعار السلع والخدمات الارتفاع، وتتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
  • الدولار الجمركي يرفع الموارد
ويبرز قرار رفع سعر الدولار الجمركي من 750 ريالاً إلى السعر السائد في السوق باعتباره أحد العوامل التي ساهمت في زيادة الإيرادات، مع بدء تطبيق القرار في مايو الماضي.

ويؤدي رفع سعر الدولار المعتمد في احتساب الرسوم الجمركية إلى زيادة قيمة الرسوم المحصلة بالريال، وسط تقديرات بأن الإيرادات الجمركية الشهرية قد ترتفع من نحو 60 مليار ريال إلى أكثر من 120 ملياراً.

لكن زيادة التحصيل الجمركي قد تنعكس أيضاً على أسعار السلع المستوردة، ما يضيف ضغوطاً جديدة على المستهلكين في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات.
  • منح ودعم خارجي
ولا تقتصر الموارد الحكومية على الإيرادات المحلية، إذ تشمل أيضاً المنح والمساعدات الخارجية. ووفق بيانات البنك المركزي، بلغت المنح التي حصلت عليها الحكومة خلال 2025 نحو 387 مليار ريال.

كما أعلنت السعودية خلال العام الحالي تقديم دعم للموازنة بقيمة تقارب ملياري ريال سعودي، وهو ما يعادل نحو 820 مليار ريال يمني وفق سعر الصرف المشار إليه في البيانات.

ومع ارتفاع الموارد المحلية والمنح الخارجية، تتجه الأنظار بصورة أكبر إلى كيفية إدارة هذه الأموال وأوجه إنفاقها.
  • السؤال: أين تذهب الإيرادات؟
ولا تكفي أرقام الإيرادات والنفقات الإجمالية وحدها للحكم على كفاءة الإنفاق الحكومي، كما أنها لا تقدم دليلاً قاطعاً على وجود هدر أو فساد دون بيانات تفصيلية.

لكنها تفرض تساؤلات حول حجم الأموال الموجهة إلى الرواتب، والكهرباء، والصحة، والتعليم، والخدمات الأساسية، مقارنة بالنفقات التشغيلية والإدارية والالتزامات الأخرى.

فالفائض النقدي المسجل لا يعني بالضرورة تحسناً شاملاً في الوضع المالي، خصوصاً في ظل الالتزامات المتراكمة وتوقف صادرات النفط وتعدد مراكز الإيرادات والإنفاق.

وفي المحصلة، لا يقيس المواطن أداء الحكومة بحجم الإيرادات المعلنة، بل بانتظام راتبه، وعدد ساعات الكهرباء، وأسعار الغذاء والوقود، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية.

وبينما تشير البيانات إلى أن إيرادات الأشهر الخمسة الأولى من 2026 قاربت ضعف مستواها في الفترة نفسها من 2025، فإن استمرار الأزمات دون تحسن ملموس ينقل جوهر المشكلة من نقص الموارد إلى كفاءة إدارتها وتحديد أولويات إنفاقها.

زيادة الإيرادات لا تصبح إنجازاً بحد ذاتها ما لم تتحول إلى خدمات واستقرار مالي واقتصادي يشعر به المواطن، وهو ما يجعل الشفافية في إعلان أوجه الإنفاق، وترشيد النفقات، وتوجيه الموارد نحو القطاعات الأساسية، الاختبار الأبرز للحكومة خلال المرحلة المقبلة.