يقع البعض، عند مقارنة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في صنعاء وعدن، في خطأ نظري وتطبيقي يتمثل في المساواة بين سعر الصرف والقوة الشرائية للعملة، ثم بناء أحكام واسعة حول مستوى المعيشة استناداً إلى الفارق في سعر الصرف وحده.
وتبرز هذه الإشكالية بصورة واضحة عند المقارنة بين سعر صرف الريال اليمني في مناطق صنعاء وسعر صرف الطبعة الجديدة في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً. فإذا كان الريال القديم يُتداول، على سبيل المثال، عند نحو 140 ريالاً مقابل الريال السعودي، بينما يبلغ سعر الريال الجديد نحو 410 ريالات مقابل الريال السعودي، فإن نسبة 140 إلى 410 تبلغ نحو 34.1%.
هذه النسبة صحيحة حسابياً، لكن الخطأ يبدأ عندما تُفسَّر اقتصادياً على أن القوة الشرائية للريال الجديد لا تتجاوز 34% من القوة الشرائية للريال القديم. فهذا الاستنتاج لا يصح بمجرد النظر إلى سعر الصرف.
سعر الصرف والقوة الشرائية مفهومان مختلفان:
سعر الصرف هو سعر العملة المحلية مقوماً بعملة أخرى، بينما تعبر القوة الشرائية عن كمية السلع والخدمات التي يستطيع الدخل أو وحدة العملة شراءها داخل الاقتصاد.
ومن هنا فإن القوة الشرائية تتحدد أساساً بمستوى الأسعار المحلية، وبالأجور والدخول، وتكاليف الحصول على السلع والخدمات، وليس بسعر الصرف وحده.
فقد تكون عملة ما أضعف في سوق الصرف، ولكن أسعار السلع والخدمات المقومة بها تكون أقل، بحيث لا يكون الفارق في القوة الشرائية مماثلاً للفارق في سعر الصرف. والعكس صحيح أيضاً.
ولهذا فإن القول إن الريال في منطقة ما أقوى من ريال في منطقة أخرى بنسبة معينة، استناداً إلى سعر الصرف فقط سعيا لاظهار الافضلية، يمثل اختزالاً مفرطاً لمفهوم اقتصادي أكثر تعقيداً.
القوة الشرائية تُقاس بسلة من السلع والخدمات:
إذا أردنا إجراء مقارنة علمية بين القوة الشرائية في صنعاء وعدن، فإن نقطة البداية الصحيحة ليست سعر الدولار أو الريال السعودي، وإنما سلة مشتركة من السلع والخدمات يستهلكها المواطن في المنطقتين.
وتشمل هذه السلة، على سبيل المثال: الغذاء والسلع الأساسية ،الوقود والطاقة، تكاليف النقل والايجارات ،التعليم والصحة والاتصالات ، الضرائب والرسوم، الخدمات الأساسية وغيرها من السلع والخدمات ذات الوزن النسبي في انفاق الأسرة.
بعد ذلك يمكن مقارنة تكلفة هذه السلة في المنطقتين، مع مراعاة اختلاف الجودة والأوزان ومصادر السلع وتكاليف نقلها وتوزيعها.
ومن دون هذه المقارنة، يصبح الاستدلال بسعر سلعة واحدة، مثل قرص الروتي، لإثبات أن القوة الشرائية في صنعاء أعلى أو أن مستوى المعيشة أفضل، استدلالاً غير كافٍ من الناحية الاقتصادية.
فحتى إذا كان سعر الروتي أقل في منطقة معينة، فإن ذلك لا يخبرنا بالضرورة عن تكلفة المعيشة الكلية، ولا عن جودة المنتج أو وزنه، ولا عن بقية السلع والخدمات التي يستهلكها المواطن.
المواطن لا يشتري العملة وإنما يشتري السلع والخدمات
المواطن في نهاية المطاف لا يعيش على سعر الصرف، وإنما على دخله الحقيقي؛ أي مقدار السلع والخدمات التي يستطيع الحصول عليها بهذا الدخل.
ولهذا فإن المقارنة بين الأوضاع المعيشية في صنعاء وعدن يجب أن تأخذ في الاعتبار مجموعة أوسع بكثير من المتغيرات، من أهمها:
مستوى الأجور والدخول، أسعار الغذاء، أسعار الوقود، تكاليف النقل، الإيجارات، الضرائب والرسوم، توفر السلع، حجم التحويلات، السيولة المتاحة، مستوى الدولرة أو السعودة، وكذلك درجة الثقة بالعملة.
وقد يكون راتب المواطن في منطقة ما أعلى اسماً، لكنه يستطيع شراء سلة أقل من السلع والخدمات بسبب ارتفاع الأسعار. وقد يحدث العكس.
وهنا يظهر الفرق بين الدخل الاسمي والدخل الحقيقي، وهو فرق جوهري في تقييم المستوى المعيشي.
المقارنة أكثر تعقيداً: نحن أمام اقتصادين نقديين
هناك جانب آخر يجعل المقارنة بين صنعاء وعدن أكثر تعقيداً من مجرد مقارنة رقمين لسعر الصرف.
فالريال القديم والريال الجديد ليسا مجرد وحدتين نقديتين تختلفان في سعر الصرف، وإنما أصبحا جزءاً من نظامين نقديين ومؤسسيين مختلفين، لكل منهما سلطاته النقدية وترتيباته المصرفية وقيوده على تداول السيولة.
كما أن البنك المركزي في عدن يحوز الاعتراف الدولي، في حين أن المؤسسة النقدية في صنعاء تعمل خارج هذا الإطار الدولي. ولذلك فإن تحليل العملتين لا يمكن أن ينفصل عن طبيعة الانقسام المؤسسي والنقدي الذي نشأ خلال سنوات الحرب.
وهذا يجعل مقارنة القوة الشرائية أكثر تعقيداً، لأن المواطن لا يتعامل مع سعر الصرف وحده، وإنما مع بيئة اقتصادية ونقدية متكاملة.
استقرار سعر الصرف ليس بالضرورة دليلاً كافياً على نجاح السياسة النقدية
من المهم الاعتراف بأن استقرار سعر الصرف يمثل ميزة اقتصادية مهمة؛ فاستقرار العملة يقلل حالة عدم اليقين، ويساعد على تسعير السلع والعقود، ويحد من مخاطر التضخم المستورد.
لكن استقرار سعر الصرف لا ينبغي أن يتحول إلى حكم نهائي على نجاح السياسة النقدية أو على جودة الأداء الاقتصادي ككل.
فإذا كان الاستقرار ناتجاً، جزئياً، عن قيود شديدة على السيولة أو على تداول الطبعات النقدية أو عن ضوابط أمنية وإدارية تحد من حركة النقد، فإن السؤال الاقتصادي لا ينبغي أن يتوقف عند: هل استقر سعر الصرف؟
بل يجب أن يمتد إلى سؤال آخر أكثر أهمية:
ما تكلفة هذا الاستقرار على المواطن والقطاع الخاص والمستثمر والنشاط الاقتصادي؟
فقد يؤدي التحكم الصارم في السيولة إلى الحد من المضاربة على العملة، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى مشكلات في السيولة والائتمان والقدرة على تمويل النشاط الاقتصادي إذا تجاوز حدوداً معينة.
ومن ثم، فإن تقييم السياسة النقدية يجب أن ينظر إلى الاستقرار النقدي والنشاط الاقتصادي والائتمان والأسعار والدخل الحقيقي في إطار واحد.
وفي المقابل، لا يكفي انخفاض سعر الصرف إذا كان الاقتصاد يعاني من اختلالات عميقة
كما أن ارتفاع قيمة العملة أو استقرار سعر الصرف في منطقة ما لا يعني تلقائياً نجاحاً اقتصادياً، فإن انخفاض سعر الصرف في منطقة أخرى لا يعني بالضرورة أن السياسة النقدية فيها فاشلة بصورة مطلقة.
فقيمة العملة في الأجل الطويل ترتبط بقدرة الاقتصاد على الإنتاج، وتوليد الدخل، وتوفير النقد الأجنبي، وتحقيق التوازنات المالية والنقدية.
ومن هنا فإن التعافي الحقيقي للعملة لا يتحقق بمجرد تثبيت سعر الصرف إدارياً، وإنما يحتاج إلى قاعدة اقتصادية حقيقية تدعم العملة، بما في ذلك نمو الناتج المحلي، وتحسن الإنتاج والصادرات، وتوفير الموارد من النقد الأجنبي، وتحسن المالية العامة، واستعادة الثقة بالنظام المصرفي والنقدي.
وهذا يعني أن استدامة استقرار العملة ترتبط في النهاية بمعالجة الاختلالات الاقتصادية الكلية، وليس بمجرد إدارة سعر الصرف في السوق.
هل الأوضاع المعيشية أفضل في صنعاء أم عدن؟
هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه علمياً بمجرد القول إن سعر الريال القديم مقابل الريال السعودي هو 140، بينما سعر الريال الجديد هو 410.
كما لا يمكن حسمه بمجرد مقارنة أسعار سلعة واحدة.
وإذا كانت هناك مؤشرات أولية تشير إلى أن بعض أسعار السلع في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً قد تكون أقل من مثيلاتها في مناطق صنعاء، رغم الفارق الكبير في سعر الصرف، فإن هذه الملاحظة تحتاج إلى اختبار ميداني ومنهجي قبل تحويلها إلى نتيجة عامة.
والدراسة العلمية المطلوبة ينبغي أن تقارن، على الأقل، بين: اسعار سلة موحدة من السلع والخدمات ،متوسط الأجور والدخول في المنطقتين ،تكلفة السلعة كنسبة من دخل الأسرة ، اسعار الوقود والنقل، الإيجارات والخدمات الأساسية،توفر السلع وجودتها ،حجم التحويلات الخارجية والداخلية، مستويات السيولة وحتى الثقة بالعملة،درجات الدولرة / السعودة في المعاملات ، الفروق في الضرائب والرسوم وتكاليف التجارة والنقل.
وعندها فقط يمكن الانتقال من الانطباع إلى القياس، ومن المقارنة الجزئية إلى الحكم الاقتصادي الموضوعي.
المطلوب: مؤشر حقيقي للقوة الشرائية
إن الجدل الدائر حول أي المنطقتين أفضل معيشياً لا ينبغي أن يبقى أسيراً لسعر الدولار أو الريال السعودي، ولا لسعر سلعة منفردة كما دأب بعض الزملا في تناوله.
المطلوب هو بناء مؤشر للقوة الشرائية الحقيقية يأخذ في الاعتبار سلة موحدة من السلع والخدمات، وأوزانها في إنفاق الأسر، ومستوى الدخول والأجور في كل منطقة.
ويمكن تطوير هذا المؤشر ليصبح أداة دورية تقيس تكلفة المعيشة والقوة الشرائية في صنعاء وعدن وغيرها من المناطق، بما يسمح بتقييم أكثر دقة لتطور المستوى المعيشي للمواطن اليمني.
وهذا النوع من المؤشرات سيكون أكثر فائدة لصانع السياسة والباحث والمواطن من الاكتفاء بمقارنة سعر الصرف الاسمي.
و يمكن إبراز الخلاصة مما تقدم فيما يلي :
إن سعر الصرف متغير مهم، لكنه ليس مرادفاً للقوة الشرائية.
والقول إن الريال الجديد لا يساوي سوى 34% من القوة الشرائية للريال القديم، لمجرد أن سعر صرفه مقابل الريال السعودي يبلغ 410 ريالات مقابل 140 ريالاً، هو استنتاج غير صحيح اقتصادياً، حتى وإن كانت النسبة الحسابية نفسها صحيحة.
فالقوة الشرائية تتحدد بما يستطيع المواطن أن يشتريه من السلع والخدمات بدخله، وهذا يتوقف على مستوى الأسعار والأجور وتكاليف المعيشة وتوفر السلع والخدمات وغيرها من المتغيرات.
كما أن استقرار سعر الصرف، مهما كانت أهميته، لا ينبغي أن يُستخدم منفرداً لإثبات نجاح السياسة النقدية، كما لا ينبغي استخدام ارتفاع سعر الصرف في منطقة أخرى منفرداً لإثبات فشلها.
وفي اقتصاد منقسم مثل الاقتصاد اليمني، تصبح المسألة أكثر تعقيداً؛ لأننا لا نقارن سعرَي صرف فحسب، وإنما نقارن بيئتين نقديتين ومؤسستين واقتصادين مختلفتين نسبيا.
ولذلك فإن الحكم على القوة الشرائية ومستوى المعيشة يجب أن يستند إلى سلة مشتركة من السلع والخدمات، ومستويات الدخول الحقيقية، وتكاليف المعيشة، وتوفر السلع، وجودتها، والظروف المؤسسية والنقدية المحيطة بها.
أما الاكتفاء بمقارنة سعر الصرف أو سعر «قرص الروتي» لإثبات أفضلية اقتصادية لمنطقة على أخرى، فإنه قد يكون مناسباً للنقاش عبر الفضاء الافتراضي، لكنه لا يكفي لإصدار حكم اقتصادي علمي.
فالاقتصاد لا يُقاس برقم واحد، والقوة الشرائية لا تُقاس بسعر الصرف وحده وهذه حقيقة.
وتبرز هذه الإشكالية بصورة واضحة عند المقارنة بين سعر صرف الريال اليمني في مناطق صنعاء وسعر صرف الطبعة الجديدة في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً. فإذا كان الريال القديم يُتداول، على سبيل المثال، عند نحو 140 ريالاً مقابل الريال السعودي، بينما يبلغ سعر الريال الجديد نحو 410 ريالات مقابل الريال السعودي، فإن نسبة 140 إلى 410 تبلغ نحو 34.1%.
هذه النسبة صحيحة حسابياً، لكن الخطأ يبدأ عندما تُفسَّر اقتصادياً على أن القوة الشرائية للريال الجديد لا تتجاوز 34% من القوة الشرائية للريال القديم. فهذا الاستنتاج لا يصح بمجرد النظر إلى سعر الصرف.
سعر الصرف والقوة الشرائية مفهومان مختلفان:
سعر الصرف هو سعر العملة المحلية مقوماً بعملة أخرى، بينما تعبر القوة الشرائية عن كمية السلع والخدمات التي يستطيع الدخل أو وحدة العملة شراءها داخل الاقتصاد.
ومن هنا فإن القوة الشرائية تتحدد أساساً بمستوى الأسعار المحلية، وبالأجور والدخول، وتكاليف الحصول على السلع والخدمات، وليس بسعر الصرف وحده.
فقد تكون عملة ما أضعف في سوق الصرف، ولكن أسعار السلع والخدمات المقومة بها تكون أقل، بحيث لا يكون الفارق في القوة الشرائية مماثلاً للفارق في سعر الصرف. والعكس صحيح أيضاً.
ولهذا فإن القول إن الريال في منطقة ما أقوى من ريال في منطقة أخرى بنسبة معينة، استناداً إلى سعر الصرف فقط سعيا لاظهار الافضلية، يمثل اختزالاً مفرطاً لمفهوم اقتصادي أكثر تعقيداً.
القوة الشرائية تُقاس بسلة من السلع والخدمات:
إذا أردنا إجراء مقارنة علمية بين القوة الشرائية في صنعاء وعدن، فإن نقطة البداية الصحيحة ليست سعر الدولار أو الريال السعودي، وإنما سلة مشتركة من السلع والخدمات يستهلكها المواطن في المنطقتين.
وتشمل هذه السلة، على سبيل المثال: الغذاء والسلع الأساسية ،الوقود والطاقة، تكاليف النقل والايجارات ،التعليم والصحة والاتصالات ، الضرائب والرسوم، الخدمات الأساسية وغيرها من السلع والخدمات ذات الوزن النسبي في انفاق الأسرة.
بعد ذلك يمكن مقارنة تكلفة هذه السلة في المنطقتين، مع مراعاة اختلاف الجودة والأوزان ومصادر السلع وتكاليف نقلها وتوزيعها.
ومن دون هذه المقارنة، يصبح الاستدلال بسعر سلعة واحدة، مثل قرص الروتي، لإثبات أن القوة الشرائية في صنعاء أعلى أو أن مستوى المعيشة أفضل، استدلالاً غير كافٍ من الناحية الاقتصادية.
فحتى إذا كان سعر الروتي أقل في منطقة معينة، فإن ذلك لا يخبرنا بالضرورة عن تكلفة المعيشة الكلية، ولا عن جودة المنتج أو وزنه، ولا عن بقية السلع والخدمات التي يستهلكها المواطن.
المواطن لا يشتري العملة وإنما يشتري السلع والخدمات
المواطن في نهاية المطاف لا يعيش على سعر الصرف، وإنما على دخله الحقيقي؛ أي مقدار السلع والخدمات التي يستطيع الحصول عليها بهذا الدخل.
ولهذا فإن المقارنة بين الأوضاع المعيشية في صنعاء وعدن يجب أن تأخذ في الاعتبار مجموعة أوسع بكثير من المتغيرات، من أهمها:
مستوى الأجور والدخول، أسعار الغذاء، أسعار الوقود، تكاليف النقل، الإيجارات، الضرائب والرسوم، توفر السلع، حجم التحويلات، السيولة المتاحة، مستوى الدولرة أو السعودة، وكذلك درجة الثقة بالعملة.
وقد يكون راتب المواطن في منطقة ما أعلى اسماً، لكنه يستطيع شراء سلة أقل من السلع والخدمات بسبب ارتفاع الأسعار. وقد يحدث العكس.
وهنا يظهر الفرق بين الدخل الاسمي والدخل الحقيقي، وهو فرق جوهري في تقييم المستوى المعيشي.
المقارنة أكثر تعقيداً: نحن أمام اقتصادين نقديين
هناك جانب آخر يجعل المقارنة بين صنعاء وعدن أكثر تعقيداً من مجرد مقارنة رقمين لسعر الصرف.
فالريال القديم والريال الجديد ليسا مجرد وحدتين نقديتين تختلفان في سعر الصرف، وإنما أصبحا جزءاً من نظامين نقديين ومؤسسيين مختلفين، لكل منهما سلطاته النقدية وترتيباته المصرفية وقيوده على تداول السيولة.
كما أن البنك المركزي في عدن يحوز الاعتراف الدولي، في حين أن المؤسسة النقدية في صنعاء تعمل خارج هذا الإطار الدولي. ولذلك فإن تحليل العملتين لا يمكن أن ينفصل عن طبيعة الانقسام المؤسسي والنقدي الذي نشأ خلال سنوات الحرب.
وهذا يجعل مقارنة القوة الشرائية أكثر تعقيداً، لأن المواطن لا يتعامل مع سعر الصرف وحده، وإنما مع بيئة اقتصادية ونقدية متكاملة.
استقرار سعر الصرف ليس بالضرورة دليلاً كافياً على نجاح السياسة النقدية
من المهم الاعتراف بأن استقرار سعر الصرف يمثل ميزة اقتصادية مهمة؛ فاستقرار العملة يقلل حالة عدم اليقين، ويساعد على تسعير السلع والعقود، ويحد من مخاطر التضخم المستورد.
لكن استقرار سعر الصرف لا ينبغي أن يتحول إلى حكم نهائي على نجاح السياسة النقدية أو على جودة الأداء الاقتصادي ككل.
فإذا كان الاستقرار ناتجاً، جزئياً، عن قيود شديدة على السيولة أو على تداول الطبعات النقدية أو عن ضوابط أمنية وإدارية تحد من حركة النقد، فإن السؤال الاقتصادي لا ينبغي أن يتوقف عند: هل استقر سعر الصرف؟
بل يجب أن يمتد إلى سؤال آخر أكثر أهمية:
ما تكلفة هذا الاستقرار على المواطن والقطاع الخاص والمستثمر والنشاط الاقتصادي؟
فقد يؤدي التحكم الصارم في السيولة إلى الحد من المضاربة على العملة، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى مشكلات في السيولة والائتمان والقدرة على تمويل النشاط الاقتصادي إذا تجاوز حدوداً معينة.
ومن ثم، فإن تقييم السياسة النقدية يجب أن ينظر إلى الاستقرار النقدي والنشاط الاقتصادي والائتمان والأسعار والدخل الحقيقي في إطار واحد.
وفي المقابل، لا يكفي انخفاض سعر الصرف إذا كان الاقتصاد يعاني من اختلالات عميقة
كما أن ارتفاع قيمة العملة أو استقرار سعر الصرف في منطقة ما لا يعني تلقائياً نجاحاً اقتصادياً، فإن انخفاض سعر الصرف في منطقة أخرى لا يعني بالضرورة أن السياسة النقدية فيها فاشلة بصورة مطلقة.
فقيمة العملة في الأجل الطويل ترتبط بقدرة الاقتصاد على الإنتاج، وتوليد الدخل، وتوفير النقد الأجنبي، وتحقيق التوازنات المالية والنقدية.
ومن هنا فإن التعافي الحقيقي للعملة لا يتحقق بمجرد تثبيت سعر الصرف إدارياً، وإنما يحتاج إلى قاعدة اقتصادية حقيقية تدعم العملة، بما في ذلك نمو الناتج المحلي، وتحسن الإنتاج والصادرات، وتوفير الموارد من النقد الأجنبي، وتحسن المالية العامة، واستعادة الثقة بالنظام المصرفي والنقدي.
وهذا يعني أن استدامة استقرار العملة ترتبط في النهاية بمعالجة الاختلالات الاقتصادية الكلية، وليس بمجرد إدارة سعر الصرف في السوق.
هل الأوضاع المعيشية أفضل في صنعاء أم عدن؟
هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه علمياً بمجرد القول إن سعر الريال القديم مقابل الريال السعودي هو 140، بينما سعر الريال الجديد هو 410.
كما لا يمكن حسمه بمجرد مقارنة أسعار سلعة واحدة.
وإذا كانت هناك مؤشرات أولية تشير إلى أن بعض أسعار السلع في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً قد تكون أقل من مثيلاتها في مناطق صنعاء، رغم الفارق الكبير في سعر الصرف، فإن هذه الملاحظة تحتاج إلى اختبار ميداني ومنهجي قبل تحويلها إلى نتيجة عامة.
والدراسة العلمية المطلوبة ينبغي أن تقارن، على الأقل، بين: اسعار سلة موحدة من السلع والخدمات ،متوسط الأجور والدخول في المنطقتين ،تكلفة السلعة كنسبة من دخل الأسرة ، اسعار الوقود والنقل، الإيجارات والخدمات الأساسية،توفر السلع وجودتها ،حجم التحويلات الخارجية والداخلية، مستويات السيولة وحتى الثقة بالعملة،درجات الدولرة / السعودة في المعاملات ، الفروق في الضرائب والرسوم وتكاليف التجارة والنقل.
وعندها فقط يمكن الانتقال من الانطباع إلى القياس، ومن المقارنة الجزئية إلى الحكم الاقتصادي الموضوعي.
المطلوب: مؤشر حقيقي للقوة الشرائية
إن الجدل الدائر حول أي المنطقتين أفضل معيشياً لا ينبغي أن يبقى أسيراً لسعر الدولار أو الريال السعودي، ولا لسعر سلعة منفردة كما دأب بعض الزملا في تناوله.
المطلوب هو بناء مؤشر للقوة الشرائية الحقيقية يأخذ في الاعتبار سلة موحدة من السلع والخدمات، وأوزانها في إنفاق الأسر، ومستوى الدخول والأجور في كل منطقة.
ويمكن تطوير هذا المؤشر ليصبح أداة دورية تقيس تكلفة المعيشة والقوة الشرائية في صنعاء وعدن وغيرها من المناطق، بما يسمح بتقييم أكثر دقة لتطور المستوى المعيشي للمواطن اليمني.
وهذا النوع من المؤشرات سيكون أكثر فائدة لصانع السياسة والباحث والمواطن من الاكتفاء بمقارنة سعر الصرف الاسمي.
و يمكن إبراز الخلاصة مما تقدم فيما يلي :
إن سعر الصرف متغير مهم، لكنه ليس مرادفاً للقوة الشرائية.
والقول إن الريال الجديد لا يساوي سوى 34% من القوة الشرائية للريال القديم، لمجرد أن سعر صرفه مقابل الريال السعودي يبلغ 410 ريالات مقابل 140 ريالاً، هو استنتاج غير صحيح اقتصادياً، حتى وإن كانت النسبة الحسابية نفسها صحيحة.
فالقوة الشرائية تتحدد بما يستطيع المواطن أن يشتريه من السلع والخدمات بدخله، وهذا يتوقف على مستوى الأسعار والأجور وتكاليف المعيشة وتوفر السلع والخدمات وغيرها من المتغيرات.
كما أن استقرار سعر الصرف، مهما كانت أهميته، لا ينبغي أن يُستخدم منفرداً لإثبات نجاح السياسة النقدية، كما لا ينبغي استخدام ارتفاع سعر الصرف في منطقة أخرى منفرداً لإثبات فشلها.
وفي اقتصاد منقسم مثل الاقتصاد اليمني، تصبح المسألة أكثر تعقيداً؛ لأننا لا نقارن سعرَي صرف فحسب، وإنما نقارن بيئتين نقديتين ومؤسستين واقتصادين مختلفتين نسبيا.
ولذلك فإن الحكم على القوة الشرائية ومستوى المعيشة يجب أن يستند إلى سلة مشتركة من السلع والخدمات، ومستويات الدخول الحقيقية، وتكاليف المعيشة، وتوفر السلع، وجودتها، والظروف المؤسسية والنقدية المحيطة بها.
أما الاكتفاء بمقارنة سعر الصرف أو سعر «قرص الروتي» لإثبات أفضلية اقتصادية لمنطقة على أخرى، فإنه قد يكون مناسباً للنقاش عبر الفضاء الافتراضي، لكنه لا يكفي لإصدار حكم اقتصادي علمي.
فالاقتصاد لا يُقاس برقم واحد، والقوة الشرائية لا تُقاس بسعر الصرف وحده وهذه حقيقة.














