السؤال الذي ينبغي أن يشغل اليمنيين اليوم ليس فقط: ماذا لو تم القضاء على الحوثي؟

بل السؤال الأهم: ماذا سيحدث لليمن بعد الحوثي؟

قد يبدو السؤال غريبًا في زمن الحرب، وقد يراه البعض ترفًا سياسيًا أمام معركة ما زالت مفتوحة. لكنني أراه السؤال الأكثر إلحاحًا، لأن إسقاط الحوثي، مهما كان هدفًا وطنيًا مشروعًا، لا يعني بالضرورة أننا سنصل إلى اليمن الذي نريده؛ بل ربما تكون لحظة سقوط الحوثي هي بداية الاختبار الأصعب.

فمن يضمن لنا أن القوى التي قاتلت الحوثي، أو التي تقاتله اليوم، تحمل مشروعًا واحدًا لليمن القادم؟

هل نضمن أن لا يقول أحدهم بعد سقوط الحوثي: لقد آن أوان استعادة التاريخ، وإن ما يريده هو استعادة عرش عمه؟

وهل نضمن أن من امتلك نفوذًا قبليًا أو سياسيًا أو اقتصاديًا سيقبل بعد انتهاء الحرب أن يكون مواطنًا مثل سائر المواطنين، لا شيخًا عليهم وهم رعية؟

وهل نضمن أن حزبًا أو جماعة ستقول: لقد قدمنا تضحيات كبيرة في هذه الحرب، ولذلك أصبح الحكم حقًا لنا؟

وهل نضمن أن القبيلة، أو مراكز القوى التقليدية، لن تتعامل مع صنعاء باعتبارها غنيمة حرب، كما حدث في محطات سابقة من تاريخ اليمن؟

وهل نضمن، في المقابل، أن الجنوب الذي دفع أثمانًا باهظة من الحروب والإقصاء والتهميش سيقبل مرة أخرى أن يدخل في دولة جديدة بالوعود نفسها التي سمعها من قبل؟

هذه ليست أسئلة تشكيك في أحد، وإنما أسئلة ضرورية قبل أن نصل إلى اليوم الذي تنتهي فيه الحرب.

لقد عانى اليمنيون طويلاً من مشكلة واحدة تتكرر بأشكال مختلفة: نسقط نظامًا أو جماعة، ثم نختلف على الغنيمة، فنبدأ حربًا جديدة.

وهذه هي الدائرة التي يجب أن نكسرها.

لقد أمضى اليمن أكثر من عقد في الصراع المسلح والسياسي، بينما كانت القوى المناهضة للحوثي نفسها تحمل رؤى ومشاريع مختلفة لليمن. بعضها يريد دولة مركزية، وبعضها يريد دولة اتحادية، وبعضها يريد استعادة نظام سياسي سابق، وبعضها يحمل مشروعًا قبليًا أو مناطقيًا، وبعضها يريد الجنوب دولة مستقلة.

ولا يمكن أن نطلب من اليمنيين أن يقاتلوا معًا ضد الحوثي، ثم نترك لهم بعد سقوطه مهمة الاتفاق على شكل الدولة.

هذا هو الخطأ الذي يجب ألا نكرره، الاتفاق على شكل الدولة ينبغي أن يبدأ اليوم، وليس غدًا.

مخرجات مؤتمر الحوار الوطني لم تكن مجرد أوراق عابرة. لقد وضعت تصورًا لدولة اتحادية ديمقراطية، وحملت معالجة للقضية الجنوبية وضمانات للشراكة في السلطة والثروة. كما أن الأمم المتحدة تشير إلى أن مؤتمر الحوار الذي اختتم أعماله في يناير 2014 وضع أسس الانتقال إلى دولة يمنية اتحادية وديمقراطية.

وقد تضمنت مخرجات القضية الجنوبية ضمانات واضحة، من بينها تمثيل الجنوب بنسبة 50 % في مؤسسات الدولة العليا خلال الدورة الانتخابية الأولى، إلى جانب مبادئ المواطنة المتساوية وتوزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم.

قد نختلف حول بعض تفاصيل تلك المخرجات، وقد يرى البعض أنها لم تكن كافية، وقد يطالب آخرون بصيغة مختلفة للدولة. هذا كله قابل للنقاش.

لكن ما لا يمكن القبول به هو أن ندخل حربًا جديدة من دون أن نعرف على أي دولة نتقاتل.

إذا كان المطلوب دولة اتحادية، فلنتفق على ذلك. وإذا كان المطلوب تعديل صيغة الأقاليم، فلنتفق على ذلك. وإذا كان هناك من يرى أن القضية الجنو.بية تحتاج إلى صيغة أخرى، فليطرحها بوضوح على طاولة الحوار. أما أن يظل كل طرف يخفي مشروعه إلى أن تحين لحظة الانتصار، فذلك يعني أننا نؤجل الحرب التالية فقط.

والجنوب تحديدًا لا يمكن أن يكون تفصيلًا مؤجلًا إلى ما بعد الحرب.

لقد كانت القضية الجنوبية واحدة من أعقد قضايا مؤتمر الحوار نفسه، ووصل النقاش حول شكل الدولة إلى خلافات حادة بين القوى الجنوبية والشمالية.

لذلك فإن أي مشروع لليمن بعد الحوثي لا يضع القضية الجنوبية في قلب التسوية، ولا يقدم ضمانات حقيقية للشراكة وإدارة الجنوب لشؤونه، سيكون مشروعًا قابلًا لإعادة إنتاج الأزمة. نحن لا نحتاج إلى منتصر جديد يفرض صيغة جديدة على اليمن. نحتاج إلى دولة لا يستطيع فيها المنتصر أن يتحول إلى حاكم مطلق.

نحتاج إلى دولة يكون فيها الرئيس موظفًا عامًا، والوزير مسؤولًا أمام القانون، والشيخ مواطنًا، والحزب حزبًا، والقبيلة مكونًا اجتماعيًا لا سلطة فوق الدولة، والسلاح في يد المؤسسات العسكرية والأمنية لا في يد الجماعات. نحتاج إلى يمن لا يكون فيه الوصول إلى صنعاء نهاية الحرب، وإنما بداية بناء الدولة.

وهنا أقولها بوضوح: من تسبب في صناعة هذه المأساة لا يمكن أن يكون وحده صاحب الحق في صناعة الحل، وإن تعلق بأستار الكعبة.

هذه ليست دعوة إلى إقصاء أحد لمجرد أنه كان جزءًا من المشهد السياسي؛ فاليمن لن يبنى بالإقصاء. لكنها دعوة إلى رفض أن يتحول المسؤولون عن الفشل إلى أوصياء على المستقبل. من أخطأ فليعترف بخطئه. ومن تورط في الفساد فليحاسب. ومن ارتكب جريمة فليحاكم أمام قضاء مستقل. ومن شارك في الحرب دفاعًا عن الدولة فله حقه، لكن تضحياته لا تمنحه ملكية الدولة. ومن كان له مشروع سياسي فليعرضه على اليمنيين، لا على البندقية. لا أحد يملك اليمن. لا الحوثي يملكه، ولا القبيلة تملكه، ولا الحزب يملكه، ولا العائلة تملكه، ولا الجنوب وحده يملكه، ولا الشمال وحده يملكه. اليمن ملك اليمنيين جميعًا.

ولهذا فإن القوى المناهضة للحوثي مطالبة، قبل أن تطالب اليمنيين بمزيد من الدماء والتضحيات، بأن تجيب عن أسئلة المستقبل:

أي دولة نريد؟ كيف ستوزع السلطة؟ كيف ستوزع الثروة؟ ما شكل العلاقة بين المركز والأقاليم؟ ما موقع الجنوب في الدولة القادمة؟ كيف سيعاد بناء الجيش والأمن؟

كيف سيتم نزع سلاح الجماعات؟ كيف ستتم محاسبة من ارتكب الجرائم؟ كيف سنمنع عودة مراكز القوى؟ وكيف نضمن التداول السلمي للسلطة؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا. إنها شروط منع الحرب القادمة.

لقد جرب اليمنيون أن ينتصر طرف على طرف، ثم يبدأ المنتصر في بناء نظامه على حساب الآخرين. وجربوا أن تسقط سلطة فتأتي أخرى أكثر قسوة. وجربوا أن تُرفع شعارات الدولة بينما تُدار البلاد بمنطق الغلبة. والنتيجة كانت دائمًا واحدة: حرب جديدة.

لذلك لا أريد أن أرى الحوثي يسقط اليوم لكي يبدأ اليمنيون غدًا حربًا جديدة فيما بينهم.

لا أريد أن نستبدل مشروعًا طائفيًا بمشروع قبلي، ولا انقلابًا بمراكز قوى، ولا سلطة جماعة بسلطة حزب، ولا هيمنة عسكرية بهيمنة مناطقية.

أريد أن يسقط الحوثي وتسقط معه فكرة أن القوة تمنح صاحبها حق حكم اليمن. أريد أن تكون نهاية الحوثي بداية نهاية ثقافة الغلبة نفسها. وإذا كانت القوى المناهضة للحوثي جادة في استعادة الدولة، فعليها أن تبدأ من الآن في الاتفاق على قواعد الدولة التي ستأتي بعده. اتفقوا اليوم، قبل أن تنتصروا غدًا. فإن لم نتفق على اليمن الذي نريده بعد الحوثي، فقد ننجح في إسقاط الحوثي، لكننا سنفشل مرة أخرى في بناء اليمن. وحينها لن يكون السؤال: من أسقط الحوثي؟

بل سيكون السؤال الأكثر مرارة: من الذي سيقاتل اليمنيون ضده بعد الحوثي؟ وهنا تكمن المأساة الحقيقية. أن ننتصر في الحرب، ثم نخسر السلام