> د. عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب:

​يقف الشعب اليمني أمام معركة فاصلة تستهدف استعادة مؤسسات الدولة عبر عملية ردع واسعة وشاملة. لم يعد الردع عسكريًا فقط، بل شمل مسارات اقتصادية وأمنية لحماية الأعيان المدنية وملاحقة شبكات التمويل والتهريب الحوثية، لإعادة ضبط قواعد الاشتباك بعد مرحلة من الاحتواء، انتقلت من رد الفعل الدفاعي إلى امتلاك زمام المبادرة وتنفيذ ضربات استباقية تستهدف العمق الحوثي، وتطال منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الطائرات المسيّرة والصواريخ ومراكز القيادة وقطع خطوط الإمداد.

هناك فرق بين الردع العسكري والردع الاستراتيجي، لكن التوجهات الجديدة لا تبدو مجرد ردع دفاعي، بل تحمل في طياتها ملامح استراتيجية تجعل المعادلة مختلفة، وإن كانت ستبقى مرتبطة بتطورات الصراع الإقليمي وحسابات إيران والولايات المتحدة. 

رغم ذلك، تتحول الأولويات إلى ضرب القدرات الحوثية في محاولة لتقليص إمكاناتهم التي تقف خلف هجماتهم على السعودية والمناطق اليمنية المحررة وممرات البحر الأحمر، وتحالفهم مع الحشد الشعبي في العراق والقاعدة في الصومال للقيام بأعمال مشتركة تهدد المنطقة، مع تحييد قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة التي جعلتهم يمارسون التعنت في أي مفاوضات عبر طلبات سقفها مرتفع.

تتجلى الجاهزية على جميع المستويات، إذ تمتلك الشرعية مستويات من الطائرات المسيّرة لم تُستخدم حتى الآن، قادرة على حمل صواريخ لمسافات بعيدة واستهداف مواقع في العمق، لإعادة معادلة الردع نتيجة وجود غرفة عمليات موحدة وتنسيق مشترك. مسيّرات الجيش اليمني تقلب معادلات المواجهة مع الحوثيين وتمثل تحولًا نوعيًا في ميزان القوة.

رفع مستوى الردع وتوجيه ضربات استباقية لم يعهدها الحوثيون من قبل قلّص قدراتهم على شن هجمات جديدة. كما أن توحيد جهود الحكومة الشرعية مكّنها من تنفيذ عمليات متزامنة على جبهات متعددة، أرهقت الحوثيين ومنعتهم من اختيار زمان المعركة ومكانها كما كان في السابق، أو حشد قواتهم في موقع واحد، أو المناورة وإعادة الانتشار.

أفشلت المقاومة اليمنية مخططات الحوثيين في السيطرة على الساحل لدعم إيران وتهديد حركة السفن. لكن الهجوم الحوثي اصطدم بقوات المقاومة الوطنية المشتركة، العمالقة والتهامية، فتحول إلى استنزاف للحوثيين، وفشلت هجماتهم في جبهة البرح بتعز باعتبارها بوابة للوصول إلى الساحل، فمُنوا بانتكاسة ميدانية رغم نقلهم حشودًا عسكرية من معسكرات صعدة وصنعاء وذمار، إلا أنهم تكبدوا هزيمة ساحقة نتيجة تكامل الرد ورفع الجاهزية وتعزيز الإنذار المبكر وتكثيف العمليات الاستخبارية وتشديد الإجراءات الأمنية والبحرية لتعقب طرق تهريب الأسلحة إليهم.

كما أظهرت الحكومة اليمنية قدرة على تبني استراتيجيات متعددة المسارات تجمع بين العمليات الجوية والصاروخية والجهد الأمني والاستخباراتي والبحري، بما يسهم في إعادة بناء معادلة الردع التي ظلت الشرعية تعمل على تطويرها منذ عام 2022، بعد سنوات استفادت خلالها الجماعة من تفوقها النسبي في الصواريخ والمسيرات ومن تشتت خصومها.

توجه الحوثيون إلى توسيع رقعة المواجهة في البحر الأحمر دعمًا لإيران، ما منح الشرعية اليمنية فرصة لتحييد تهديداتهم المستمرة وخرقهم اتفاقية ستوكهولم لعام 2018، وهي الاتفاقية الأممية التي أنقذتهم من تحرير الحديدة آنذاك. وقد سُجّل هبوط الطائرة الإيرانية المدنية في مطار الحديدة خرقًا لسيادة اليمن ولقرار مجلس الأمن 2216، كون الحديدة حسب الاتفاق تحت إدارة محلية خاضعة للتفتيش، فأتت الفرصة لتحييدهم.

لجأ الحوثيون إلى صيغة “الحصار بالحصار”، وفي 20 يوليو أعلنت الجماعة قيودًا على السفن المرتبطة بالسعودية، لتنقل المعركة من المجال الجوي إلى البحري خدمةً ومساندةً لإيران، ثم من البحر إلى ضرب منشآت الطاقة السعودية امتدادًا لخدمة أهداف إيران في دفع أميركا للقبول بشروطها. لكن المجتمع الدولي لن يقف هذه المرة مع الحوثيين كما فعل عام 2018 حين منع تحرير الحديدة واستبدله باتفاق ستوكهولم.

يعتقد الحوثيون أن الانتقال من التفاوض إلى فرض الاعتراف بسلطتهم المستحيلة يمكن تحقيقه عمليًا، ويُفسَّر ذلك بالطابع الانتقائي للحظر البحري، إذ لم يعلنوا إغلاق باب المندب أمام جميع السفن، بل سعوا إلى تحديد فئات بعينها، لتقديم أنفسهم كقوة قادرة على المنع دون خوض مواجهة شاملة مع التجارة الدولية، رغم أن السفن السعودية تمد العالم بالنفط.

الإستراتيجية السعودية لم تتجه كما يريد الحوثيون نحو حرب مباشرة على غرار حرب 2015، بل نحو بناء طبقات من الردع، أهمها رفع قدرات القوات الحكومية وتمكينها من الرد بصورة أكثر استقلالية، إلى جانب تشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات في 13 أغسطس وصل إلى مرحلة التفعيل العملياتي، وكذلك تشكيل السعودية بنية التحالفات الدفاعية الإقليمية الأوسع، إذ وقعت في 7 أغسطس مع باكستان وتركيا اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي ينص على اعتبار الهجوم على أحد الأطراف هجومًا على الآخرين. هذه الإستراتيجية تسمح للسعودية بأن تكون الحرب على مسافة منها، تدير التهديد دون الانخراط المباشر فيه.

تتحول الجغرافيا اليمنية إلى أصل استراتيجي عالمي، لأن البحر الأحمر يزداد أهمية بعدما تجاوزت السعودية مضيق هرمز وبدأت تصدير نفطها عبر ينبع. 

ارتفعت بذلك قيمة القدرة الحوثية على تهديده كما يظنون، لكنهم لن يتوقفوا عن استخدام البحر كرافعة سياسية، ولن يقفوا عند حدود مناطقهم أو حتى حدود اليمن. في المقابل، لن تقبل السعودية ولا الدول الإقليمية ولا العالمية أن يكون الحوثي جزءًا من مستقبل اليمن، تمامًا كما هو الحال مع الحرس الثوري الذي يدعم الحوثيين وحزب الله والحشد الشعبي.
عن "العرب اللندنية"