​من خلال ما يتداول في الإعلام، هناك من يصرح بأن الجنوب ليس حزبًا واحدًا، ولكنه عدة مكونات، وهذا ليس بجديد على الجنوب، فقد دأبت سياسة حكام صنعاء على عدم السماح للجنوب بأن يختار من يمثله، مما يعطي تبريرًا لما جرى من تخريب للعملية السياسية لاتفاق الرياض الأول والثاني، وهو بذلك قام، من حيث يدري أو لا يدري، بنسف شرعيته التي هي أصلًا نتاج لذلك الاتفاق، خاصة وقد كانت الجهود الرامية إلى توحيد الصف للخلاص من انقلاب صنعاء، وكان ذلك تحت رعاية سعودية وخليجية.

وبذلك، يعتبر التشكيل الجديد وكل الإجراءات التي تمت غير قانونية وغير شرعية، ويتطلب من الرباعية المكلفة بملف اليمن إعادة النظر في كل العملية السياسية القائمة، التي حولت الجنوب إلى ساحة صراع محتمل، كونها نسفت كل المنظومة السياسية والعسكرية التي كانت قائمة ومتوافقًا عليها.

ومن نتائج هذه العملية تعطيل مشروع عودة الشرعية إلى صنعاء، بتغيير الأولويات، ووضعوا هدف إحكام السيطرة على الجنوب بمساعدة خارجية، تحت مبررات ووهم الحفاظ على الوحدة، أو أن هذه الشرعية معترف بها دوليًا، بينما في الواقع الشرعية الشمالية لا تمثل عدا مديريتين في تعز ومأرب فقط، بينما يتم اختطاف الجنوب وإلغاء شرعيته باختراع أسباب غير منطقية لتبرير إجراءاتهم غير الشرعية.

وعمليًا، مارست هذه الشرعية منذ البداية حروبًا متعددة ضد الجنوب، وأعلن البعض جهارًا نهارًا أنهم على استعداد للتحالف مع الحوثي عندما يرون أن الوحدة في خطر. وهذا هو لب الصراع الذي يتخفى وراءه الجميع، والذي كشف عنه هذا التصريح مؤخرًا؛ لأنهم يضعون الوحدة في صدارة الصراع مع الجنوب، وأما صراعهم مع الحوثي فهو صراع داخلي في إطار البيت الواحد.

هذا التصريح موجه لكل جنوبي لكي يفهم جوهر الصراع القائم. وبالمناسبة، أتى هذا التصريح قبل الأحداث الأخيرة، وكان الأمر مدبرًا ومتفقًا عليه. والملفت للنظر أن التحالف قد تماهى مع ما تسوقه الشرعية للانقلاب على كل الاتفاقات التي تمت في الرياض، وتحت رعاية المملكة ومجلس التعاون الخليجي. وبهذا يتجلى إصرار النخب الشمالية في الشرعية على العودة إلى نظام 7/7 سيئ الصيت.

اليوم، الجنوب يعاد صياغته عبر مشروع أثبت فشله، وأدخل البلاد في دمار شامل، وانتهت صراعاتهم إلى سقوط الدولة، بل تسليمها لحركة طائفية تدار من خارج البلاد.

ومن حق الجنوب أن يستعيد دولته بسبب فشل مشروع الوحدة وضياع مركز الدولة التي توحد معها، علاوة على المعاناة الكبيرة التي مر بها، والدمار الشامل للأرض والإنسان الجنوبي. لذا، لن يقبل العودة إلى نظام تحالف 7/7، بل حدد مشروعه السياسي بقيام دولة اتحادية جنوبية تضع حدًا للمركزية الإدارية والمالية والسياسية والاقتصادية، بحيث يُدار كل إقليم ذاتيًا من قبل أبنائه دون تدخل من أي مركز.

الشرعية لا تملك مشروعًا سياسيًا مقنعًا، وهي تدير البلاد بنفس آلية النظام الفاسد 7/7، ولهذا فهي لم تتقدم خطوة واحدة نحو استعادة صنعاء، ولا تجد أي تجاوب مع إجراءاتها في مناطق سيطرة الحوثي؛ لأنه من غير المعقول أن تعود عصابة صنعاء من جديد للتحكم بالسلطة والثروة وإدارة البلاد بالنهب واللصوصية والفساد.

هناك مسؤولية تاريخية على القوى السياسية الشمالية بأن تعيد صياغة مشروعها السياسي بما يتوافق وتطلعات الشعب في الحرية والاستقلال واستعادة الكرامة، بما يخدم مستقبل الأجيال القادمة، وأن تضع مشروعها السياسي أمام الشعب ليقرر ما يريد لإدارة البلاد، بعيدًا عن الأزمات والفساد.

كما أن على المجلس الانتقالي والقوى السياسية الجنوبية الأخرى الإسراع في بحث التفاصيل التي تخص إدارة الجنوب في اليوم التالي، والتوافق على كافة التفاصيل، وتشكيل مرجعية سياسية جنوبية تدير الانتقال إلى ربوع الدولة الاتحادية المنتظرة، والتي يتطلب طرحها على الشعب ليقرر ما يريد.

خلاصة القول: إن ترتيب الأولويات لدى الشمال والجنوب لن يتم إلا عبر إنشاء مشاريع وطنية في كل من الجنوب والشمال، يكون للشعب كلمته الأخيرة في كل منهما. وبعد أن يستعيد كل من الجنوب والشمال ذاته، ويبدأ كل منهما في بناء دولته الاتحادية، سيكون من السهل التوافق بين ممثلي الدولتين على إبقاء الروابط بينهما في كافة المجالات، بعيدًا عن استئثار حزب أو طائفة أو قبيلة، أو تحالفات غير مشروعة للسيطرة على السلطة والثروة ورهنها للخارج.

وما يهم هو أن يتم تقاسم ثروات البلاد معهم والتخلي عن السيادة، وبالتالي طلب الحماية تحت حجج مختلفة.