> «الأيام» غرفة الأخبار:
لم تنتظر واشنطن استقرار الخريطة الجديدة في اليمن حتى تفتح قناة مباشرة مع الحوثيين. فبعد أيام فقط من سيطرة الجماعة المدعومة من إيران على كامل الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، بما في ذلك ميناء المخا وجزيرة ميون ذات الموقع الاستراتيجي عند مدخل باب المندب، التقى مسؤولون أمريكيون ممثلين عن الحوثيين في اجتماع سري بالعاصمة العمانية مسقط، في خطوة تعكس حجم التحول الذي فرضه التقدم الميداني للجماعة على الحسابات الأمريكية.
وبحسب تقرير نشرته اليوم صحيفة «العرب» اللندنية، فإن الاجتماع، الذي لم تعلنه واشنطن أو مسقط رسميًا، جاء بترتيب عُماني وفق مصادر تحدثت لرويترز، وفي السفارة الأمريكية بمسقط بحسب ثلاثة من المصادر الخمسة التي كشفت عن اللقاء. وبينما لم تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية الاجتماع، أعادت التأكيد على التزام واشنطن بأمن الملاحة في البحر الأحمر. لكن أهمية الخطوة تتجاوز مكان الاجتماع أو طبيعته السرية، لأنها تأتي بعد تغير ميداني جعل الحوثيين يملكون ورقة جغرافية جديدة على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
لم يعد الحوثيون في هذه المعادلة قوة تسيطر على مناطق واسعة من شمال اليمن فحسب، بل باتوا يمتلكون حضورًا متصلًا على ساحل البحر الأحمر، مع اقترابهم من باب المندب. وقد اعتبرت تقارير وتحليلات عسكرية أن السيطرة على الساحل والجزر القريبة من المضيق تمنح الجماعة قدرة أكبر على الضغط على حركة الملاحة وتهديد مصالح إقليمية ودولية، في وقت تتعرض فيه المنطقة أصلًا لاضطرابات حادة بسبب الحرب الأوسع مع إيران.
وهذا ما يجعل توقيت الاتصال الأمريكي لافتًا. فواشنطن لم تفتح القناة في مرحلة كان الحوثيون فيها محاصرين أو يتراجعون، وإنما بعد أن حققوا مكسبًا ميدانيًا كبيرًا أطاح بالقوات المدعومة من السعودية على الساحل. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الاجتماع باعتباره محاولة أمريكية لفهم حدود القوة الجديدة التي فرضها الحوثيون، وخصوصًا ما إذا كان يمكن فصل أمن الملاحة عن الصراع المباشر بين الجماعة والسعودية.
وتزداد حساسية المسألة بالنسبة إلى الرياض. فالسعودية تخوض في الوقت نفسه مواجهة مباشرة مع الحوثيين، الذين صعّدوا هجماتهم على مدن وأهداف ومنشآت للطاقة السعودية. وفي الأيام الأخيرة طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان دعمًا عسكريًا أمريكيًا مباشرًا ضد الحوثيين، لكن إدارة الرئيس دونالد ترامب لم توافق على شن ضربات أمريكية مباشرة، مكتفية بدعم استخباراتي ومساعدة في الاستهداف. كما التقى بن سلمان قائد القيادة المركزية الأمريكية في جدة لبحث التصعيد.
هنا تظهر المفارقة التي قد تكون الأكثر حساسية في العلاقة الأمريكية السعودية: في الوقت الذي تطلب فيه الرياض مساعدة عسكرية من حليفها الأمريكي في مواجهة الحوثيين، تفتح واشنطن قناة تفاوضية مع الجماعة نفسها. ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة تخلت عن السعودية أو قبلت بمكاسب الحوثيين، لكنه يبعث برسالة مفادها أن واشنطن تضع حماية مصالحها، وفي مقدمتها أمن الملاحة ومنع اتساع الحرب، ضمن حساباتها الخاصة، حتى عندما لا تتطابق بالكامل مع الأولويات السعودية.
واللافت أن المصادر التي تحدثت عن اجتماع مسقط أفادت بأن الحوثيين تعهدوا بعدم استهداف السفن الأمريكية أو الإسرائيلية والالتزام بوقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه في مايو/أيار 2025، لكنهم أبقوا على حقهم في مهاجمة السفن السعودية. وإذا صحت هذه التفاصيل، فإنها تكشف أن الجماعة نفسها تميز بين مصالح واشنطن والصراع المفتوح مع الرياض، وهو ما يمنح المحادثات بُعدًا شديد الحساسية بالنسبة إلى السعودية.
فواشنطن قد تجد مصلحة في ترتيب تفاهم محدود مع الحوثيين يحمي السفن الأمريكية ويخفض مخاطر التصعيد في البحر الأحمر، من دون أن يعني ذلك إنهاء الحرب السعودية الحوثية. لكن مثل هذا المسار، إذا تطور، سيضع الرياض أمام سؤال صعب حول طبيعة الضمانات التي تستطيع الحصول عليها من حليفها الأمريكي، وحول ما إذا كان الأمن السعودي سيظل جزءًا مركزيًا من أي تفاهم أمريكي مع الحوثيين أم سيتحول إلى ملف منفصل.
ويأتي ذلك في ظرف لا تبدو فيه السعودية قادرة على تجاهل التطورات الجغرافية الجديدة. فقد أدى تقدم الحوثيين على الساحل إلى زيادة الضغط على طرق تصدير النفط السعودية، بالتزامن مع تعرض خط أنابيب الشرق والغرب لهجوم أدى إلى تعطله مؤقتًا. ويعني تزامن الضغط على مضيقي هرمز وباب المندب مع استهداف البنية النفطية السعودية أن هامش المناورة أمام الرياض أصبح أكثر ضيقًا.
كما أن السيطرة الحوثية على الساحل لا تمثل تحديًا سعوديًا فقط. فباب المندب جزء من شبكة الملاحة التي تربط البحر الأحمر بقناة السويس والبحر المتوسط، وبالتالي فإن استقرار الساحل اليمني بات مرتبطًا مباشرة بأمن التجارة الدولية. ومن هنا يمكن فهم حرص واشنطن على إبقاء قناة اتصال مع الحوثيين حتى في ذروة المواجهة، خصوصًا إذا كان الهدف الأمريكي هو منع تحول البحر الأحمر إلى جبهة مفتوحة ضد السفن الدولية.
وتستعيد عُمان في هذا السياق دورها كقناة تفاوضية. فقد سبق لمسقط أن ساعدت في اتصالات أمريكية حوثية انتهت إلى وقف لإطلاق النار عام 2025، ما يجعلها منصة مفضلة للاتصالات التي لا تريد واشنطن إعلانها رسميًا. لكن قدرة الوساطة العُمانية على إنتاج تسوية أوسع ستبقى مرتبطة بموقف الحوثيين وإيران والسعودية، وبطبيعة الأهداف الأمريكية في الحرب الإقليمية.
ولا يبدو أن فتح الحوار يعني بالضرورة انتقال واشنطن إلى سياسة الاعتراف بالحوثيين كشريك سياسي. فالجماعة لا تزال مصنفة منظمة إرهابية أجنبية من جانب الإدارة الأمريكية، فيما تستمر المواجهة العسكرية بينها وبين السعودية. لكن التواصل المباشر بعد سقوط الساحل يشير إلى أن القوة العسكرية وحدها لم تعد الإطار الوحيد الذي تتعامل من خلاله واشنطن مع الملف اليمني.
المسألة بالنسبة إلى السعودية، لذلك، لا تتعلق فقط بما إذا كانت الولايات المتحدة ستضرب الحوثيين أم لا، وإنما بما إذا كانت واشنطن ستدخل في نهاية المطاف في تفاهمات معهم حول البحر الأحمر والملاحة، بينما تبقى الرياض في قلب المواجهة.
وفي حال تطورت قناة مسقط إلى مسار تفاوضي أوسع، فقد تجد السعودية نفسها مطالبة بالتكيف مع معادلة جديدة: حليفها الأمريكي يتفاوض مع خصمها المباشر، والحوثيون يستخدمون السيطرة على الساحل كورقة تفاوضية.












