لم يعد الذكاء الاصطناعي موضوعًا يخص المتخصصين في التكنولوجيا وحدهم، بل دخل بيوتنا ومدارسنا وهواتف أبنائنا، وأصبح جزءًا من حياتهم اليومية. ومن هنا يظهر خلاف واضح بين الأسر في كيفية التعامل معه: فهناك من يرفضه رفضًا كاملًا ويراه خطرًا ينبغي إبعاد الأبناء عنه، وهناك من يفتح أمامهم الباب بلا حدود باعتباره لغة المستقبل، بينما تترك فئة ثالثة الأبناء يتعاملون مع هذه الأدوات وحدهم، وكأن الحبل قد تُرك على القارب بلا من يمسك به.

لكن هل تكفي هذه المواقف لمواجهة واقع يتغير بهذه السرعة؟.

الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي لن ينتظر موقفنا منه. فالأجيال الجديدة ستعيش في عالم تصبح فيه هذه التقنيات جزءًا من الدراسة والعمل ومجالات الحياة المختلفة. ومنع الأبناء منعًا مطلقًا قد يحرمهم من مهارات سيحتاجون إليها مستقبلًا، كما أن تركهم يستخدمونه بلا توجيه قد يعرّضهم لمخاطر حقيقية.

المطلوب إذن ليس الاختيار بين الرفض الكامل والقبول الكامل، بل تربية أبنائنا على الاستخدام الواعي والمسؤول.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة نافعة. يستطيع الطالب استخدامه لفهم درس صعب، أو تعلم لغة جديدة، أو تطوير مهارات الكتابة والتحليل. ويمكن للشباب الاستفادة منه في استكشاف مجالات الدراسة والعمل وتنمية الإبداع.

وفي المقابل، هناك مخاطر تتعلق بالمعلومات الخاطئة، والإفراط في الاستخدام، وضعف التفكير المستقل إذا أصبح البرنامج يفكر نيابة عن الإنسان. وقد يلجأ بعض الأطفال أو المراهقين إليه في لحظات الاضطراب النفسي أو العزلة، فيتلقون إجابات غير مناسبة لأعمارهم أو ظروفهم. كما تبرز قضايا الخصوصية، والتنمر، والغش الدراسي، والصور والمعلومات المزيفة.

وهنا يأتي دور الأسرة.

ليس مطلوبًا من الأب أو الأم أن يكونا خبيرين في البرمجة. المطلوب أولًا هو الاهتمام: أن يعرف الوالدان ما التطبيقات التي يستخدمها الأبناء، ولماذا يستخدمونها، وأن تتحول التكنولوجيا إلى موضوع للحوار داخل البيت، بدلًا من أن تكون عالمًا سريًا يفصل الأبناء عن والديهم.

والحوار هنا أهم من المراقبة وحدها. فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر أن يسأل: هل هذه المعلومة صحيحة؟ هل من المناسب أن أشارك بياناتي الشخصية؟ هل أستخدم هذه الأداة لكي أتعلم أم لكي أتهرب من التفكير؟ سيكون أكثر قدرة على حماية نفسه عندما يكبر.

كما أن وضع قواعد أسرية واضحة يمكن أن يساعد، مثل تحديد أوقات الاستخدام، وعدم مشاركة المعلومات والصور الخاصة، والتحقق من المعلومات المهمة، وعدم اعتبار الذكاء الاصطناعي بديلًا عن المعلم أو الطبيب أو الوالدين أو العلاقات الإنسانية.

ولعلّ أهم ما ينبغي أن نزرعه في أبنائنا هو أن التقدم العلمي لا يكفي وحده لصناعة مستقبل أفضل. فكل معرفة تحتاج إلى ضمير يوجهها، وكل أداة تزداد فائدتها أو خطورتها بحسب طريقة استخدامها. لذلك يجب أن يسير تعليم التكنولوجيا جنبًا إلى جنب مع قيم الصدق والمسؤولية واحترام الآخرين وخدمة المجتمع.

وفي اليمن، حيث تواجه كثير من الأسر تحديات اقتصادية وتعليمية، قد يبدو الحديث عن الذكاء الاصطناعي ترفًا للبعض، لكنه في الحقيقة قضية تربوية دخلت أو ستدخل معظم البيوت عبر الهاتف المحمول.

لهذا فإن أفضل ما يمكن أن نفعله ليس أن نخاف من المستقبل، ولا أن نسلّم أبناءنا له بلا توجيه، بل أن ندخل إليه معهم بوعي؛ نتعلم معهم، ونسأل معهم، ونناقشهم، ونضع الحدود معهم.

فالسؤال لم يعد: هل سيستخدم أبناؤنا الذكاء الاصطناعي؟.

السؤال الحقيقي هو: أي نوع من البشر نريدهم أن يكونوا وهم يستخدمونه؟.