​في الحروب الأهلية والنزاعات الممتدة، لا تُقرأ الجبهات بمساحاتها ولا بكثافة النار فيها، بل بموقعها من المعادلة السياسية التي ستُبنى على أنقاض الحرب. ومن هنا فإن الخطأ المنهجي الأكبر في قراءة المشهد اليمني هو التعامل مع الجبهات كوحدات عسكرية متجانسة، تقاس بما تحرزه من كيلومترات أو ما تكبده الخصم من خسائر. الحقيقة أن بعض الجبهات في اليمن ليست سوى مواقع اشتباك، بينما تشكّل جبهات أخرى نقاط ارتكاز تتحدد بها بنية الدولة القادمة ذاتها. وتعز تنتمي، بلا منازع، إلى الفئة الثانية؛ فهي ليست جبهة على هامش الحرب، بل هي أحد مداخل فهم منطقها العميق.

لفهم هذا الاستثناء التعزي، ينبغي تجاوز القراءة العسكرية الضيقة إلى قراءة جيوسياسية وسياسية متكاملة. فتعز ليست مجرد مدينة محاصرة في وسط البلاد؛ إنها أكبر حواضن اليمن السكانية، وعقدة المواصلات التي تربط الشمال بالجنوب والساحل بالداخل، والحاضرة التاريخية للطبقة الوسطى اليمنية وللحركة الوطنية الحديثة التي أنجبت ثورتي سبتمبر وأكتوبر. بمعنى آخر، تعز هي المكان الذي تتقاطع فيه الديموغرافيا مع الجغرافيا مع الذاكرة السياسية للدولة اليمنية الحديثة. ومن يدرك هذه الحقيقة يدرك لماذا كانت تعز، منذ اللحظة الأولى للانقلاب، هدفًا استراتيجيًا للمليشيا قبل أن تكون هدفًا عسكريًا؛ فالحوثي لا يقاتل في تعز من أجل تلة أو شارع، بل يقاتل لكسر العمود الفقري الاجتماعي والرمزي لأي مشروع وطني جامع، لأنه يعلم أن مشروع الإمامة الجديد لا يمكن أن يستقر في يمنٍ تكون فيه تعز حرة ومتماسكة.

وهنا يتكشف البعد الأعمق للمعركة: تعز ليست فقط مفتاحًا جغرافيًا، بل هي معيار اختبار لمصداقية مشروع استعادة الدولة برمته. فالشعارات الكبرى عن النفير العام واستعادة الشرعية لا تُقاس ببيانات الإعلام ولا بخطابات المنصات، بل تُقاس بسلوك واحد قابل للرصد: هل تُوجَّه القيادة والإمكانات والتسليح والإمداد إلى الجبهات التي تحمل العبء الاستراتيجي الأثقل، أم تُدار الحرب بمنطق التوازنات الفئوية والحسابات الضيقة؟ وبهذا المعنى، فإن ما يجري في تعز ليس معركة على الأرض فحسب، بل امتحان مكشوف لكل القوى التي ترفع راية الدولة: امتحان للشرعية في أدبياتها وأدائها، وللتحالف في أولوياته، وللنخب السياسية في قدرتها على التمييز بين جبهة ثانوية وجبهة مصيرية.

في مقابل هذا الغياب النسبي للإسناد، قدّم أبناء تعز على مدى سنوات الحرب ظاهرة تستحق التأمل بمعايير علم الحرب ذاته. فالنظريات العسكرية الكلاسيكية، من كلاوسفيتز إلى أدبيات الحروب غير المتماثلة المعاصرة، تؤكد أن التفوق المادي ليس العامل الحاسم الوحيد في الميدان، وأن الإرادة السياسية والتماسك الاجتماعي للمجتمع المدافع قد يعوّضان الفجوة في العتاد. تعز هي التطبيق الحي لهذه القاعدة: مقاتلون يخوضون المواجهة في جغرافيا جبلية شديدة التعقيد، تحت حصار خانق وضغط ناري متواصل وإمكانات تكاد لا تُذكر، ومع ذلك يحافظون على مواقعهم ويحوّلون الدفاع إلى فعل سياسي بامتياز. إنهم لا يدافعون عن خندق، بل عن فكرة الدولة نفسها في عاصمتها الروحية.

أما الطرف المقابل، فإن سلوكه يؤكد القراءة نفسها من الاتجاه المعاكس. فمليشيا الحوثي، التي تُدار معاركها بحسابات عقائدية وسلالية دقيقة، لم تدفع بأفواج مقاتليها نحو جبهات تعز عبثًا؛ لقد فعلت ذلك لأن حساباتها الاستراتيجية تتقاطع مع تحليل هذه الورقة: إسقاط تعز يعني تحطيم أكبر قاعدة اجتماعية ممكنة للمشروع الجمهوري، وعزل الشمال عن الجنوب، وتحويل ما تبقى من جبهات إلى جيوب معزولة قابلة للالتهام واحدًا تلو الآخر. ومن المفارقات الدالة أن المليشيا، بكل ما حشدته من أعداد وعتاد، فشلت في إحداث الاختراق الحاسم؛ وهو فشل يثبت مرة أخرى أن الكثرة العددية لا تصنع النصر حين تواجه مجتمعًا متماسكًا يقاتل على أرضه وعن معنى وجوده، لا عن غنيمة أو امتياز.

إن إعادة صياغة الموقف من تعز تقتضي إذن الانتقال من لغة المناشدة إلى لغة الاستراتيجية. فدعم جبهات تعز ليس عملًا إغاثيًا ولا منّة تُقدَّم لمحافظة بعينها، بل هو الاستثمار الأعلى جدوى في مشروع استعادة اليمن كله. فالقرار العسكري الرشيد هو الذي يوزّع الموارد حيث يتحقق أكبر أثر استراتيجي ممكن، ولا يوجد في الخارطة اليمنية اليوم موقع يجمع بين العمق السكاني والموقع المحوري والرمزية الوطنية كما تجمعه تعز. ومن هنا فإن المطلوب من الشرعية، بكل مؤسساتها وقواها، ليس بيانات التضامن، بل إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية والسياسية بحيث تصبح تعز في قلب المعادلة لا على هامشها: قيادة موحدة للجبهة، تسليح نوعي يكسر معادلة الحصار، إمداد مستدام لا يرتهن للمزاج السياسي، وملف إنساني يُرفع إلى مصاف القضية الوطنية لا أن يُترك ورقة للمساومات.

وفي المقابل، فإن استمرار التعامل مع تعز بمنطق الانتظار والترقب لا يخلو من كلفة استراتيجية باهظة تتجاوز حدود المحافظة. فكل يوم تأخير في حسم معركة تعز هو يوم إضافي تترسخ فيه وقائع التقسيم الفعلي، وتتعمق فيه قناعة المليشيا بأن الزمن يعمل لصالحها، وتتآكل فيه ثقة المجتمع اليمني بجدوى مشروع الدولة ذاته. الحروب لا تُحسم بالصمود وحده مهما عظم؛ الصمود يصون المواقع، لكنه لا يغيّر المعادلة ما لم يتحول، بإسناد حقيقي، إلى قدرة هجومية تقلب موازين الميدان. والمقاتل الذي يصمد في الخندق بإرادة فولاذية لا ينبغي أن يُترك وحيدًا يواجه معركة وطنية بإمكانات شخصية.

وعند هذا الحد، ينقلب السؤال التقليدي رأسًا على عقب. فالسؤال لم يعد: ماذا تحتاج تعز؟ بل أصبح: ماذا يريد اليمن أن يكون؟ لأن الموقف من تعز هو، في جوهره، موقف من فكرة اليمن الموحد القائم على الدولة والجمهورية والمواطنة المتساوية. إذا كانت معركة استعادة اليمن جادة، فإن تعز يجب أن تكون في قلبها لا في هوامشها. وإذا كان بسط سلطة الدولة على كامل التراب الوطني هدفًا حقيقيًا لا شعارًا تسويقيًا. فإن جبهات تعز يجب أن تحظى بالإسناد الذي يليق بوزنها الاستراتيجي. وإذا كان مشروع الإمامة الجديدة يُراد له أن يُهزم فعلًا لا قولًا، فإن إحدى أهم ساحات هزيمته تقع هنا، في هذه الجبال والطرقات والأحياء التي حوّلها أبناؤها إلى حصن للفكرة الجمهورية.

تعز اليوم ليست جبهة تنتظر منقذًا؛ لقد تجاوزت هذه المرحلة منذ زمن. إنها جبهة أثبتت، بالدم والصمود، أنها قادرة على حمل أمانة المعركة الوطنية. لكن قدرتها على الصمود لا تعفي الآخرين من واجبهم؛ بل تجعل هذا الواجب أشد إلزامًا وأثقل مسؤولية. ففي جبال تعز وخنادقها لا تدور معركة على أرض فحسب، بل يُختبر مستقبل الدولة اليمنية بأكملها، ويُرسم، طوقًا أو كسرًا، شكل اليمن الذي سيخرج من هذه الحرب. ومن يفهم تعز، يفهم اليمن؛ ومن يخذل تعز، يخذل المشروع الوطني في أكثر نقاطه حسمًا ودلالة.