> فردوس العلمي
- أرسلان السقاف: النجاح لا يُقاس بالتمويل أو الظهور الإعلامي
لطالما عُرفت مدينة عدن بتنوعها الاجتماعي والثقافي، وبما شهدته من مبادرات أهلية وأعمال تطوعية هدفت إلى مساعدة المحتاجين، ونشر التعليم، وتعزيز التكافل الاجتماعي. وعلى مدى عقود، شكّلت الجمعيات الأهلية مساحة للعمل المجتمعي، وأسهمت في تلبية احتياجات السكان وفق الإمكانات المتاحة في كل مرحلة.
وللوقوف على هذه القضية، تواصلت الصحيفة مع عدد من الجمعيات الأهلية في عدن، واستمعت إلى تجاربها وتحدياتها.
عدن والعمل الأهلي.. جذور ممتدة
تعود جذور العمل الأهلي في عدن إلى عقود طويلة، إذ شهدت المدينة تأسيس جمعيات وأندية ومبادرات اجتماعية وثقافية وخيرية اهتمت بالتعليم، ورعاية الفئات المحتاجة، والأنشطة الرياضية، وتعزيز الروابط بين أفراد المجتمع.
وتشير معلومات تاريخية متداولة في مصادر إلكترونية، من بينها منشورات متعددة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى وجود أنشطة أهلية مبكرة في المدينة، شملت مجالات الرعاية الاجتماعية والرفق بالحيوان، إلى جانب مؤسسات وأندية ارتبطت بتاريخ عدن الثقافي والرياضي، من بينها نادي عدن الرياضي الذي يعود تأسيسه إلى عام 1934، وجمعيات نسوية وخيرية ظهرت خلال النصف الأول من القرن العشرين.
وقد مثّل العمل التطوعي آنذاك ركيزة أساسية في أنشطة عدد من الجمعيات، التي استمدت قوتها من قربها من المجتمع ومعرفتها باحتياجاته، ومن مساهمة المتطوعين والداعمين في استمرار أنشطتها.
التضامن للتنمية..تحديات التمويل والاستدامة
تُعد جمعية التضامن للتنمية (AFD) من الجهات التي عملت في المجال التنموي، حيث أوضحت الدكتورة خديجة جامع أن الجمعية تأسست في اليمن في مايو 2000، وتركز أنشطتها على تمكين النساء والشباب والأطفال، وتعزيز الحماية وتكافؤ الفرص والتنمية.
وأضافت أن تدخلات الجمعية شملت مجالات الأمن الغذائي وسبل العيش، والمياه والإصحاح والنظافة، والتعليم، وحماية الطفل، مشيرة إلى أن الجمعية تحولت إلى مؤسسة في عام 2013.
وعن التحديات التي تواجه العمل التنموي، أشارت جامع إلى ارتفاع إيجارات المقرات، وقِصر مدة بعض المشاريع الممولة، التي لا تتجاوز في كثير من الأحيان عامًا واحدًا، فضلًا عن غياب الدعم التشغيلي اللازم لاستمرار الأنشطة بعد انتهاء التمويل.
كما لفتت إلى محدودية الشراكات مع القطاع الخاص، والحاجة إلى تعزيز الشفافية في تخصيص إيرادات الزكاة وتوجيهها، إضافة إلى تأثير عدم استقرار الكهرباء وارتفاع تكاليفها على استمرارية العمل، وما قد ينجم عنه من أضرار للأجهزة والمعدات.
الفردوس التنموية..استمرار رغم الصعوبات
من جانبها، أكدت المهندسة سميرة عبدالله محمد نصر، رئيسة جمعية الفردوس التنموية، استمرار الجمعية في تنفيذ أنشطتها رغم الصعوبات التي تواجهها، مشيرة إلى أنها نفذت أكثر من 30 مشروعًا في مجالات مختلفة خلال الفترة من 2008 إلى 2025.
وأوضحت أن العمل الأهلي يواجه تحديات متعددة، من بينها ضعف الوعي المجتمعي بطبيعة العمل التطوعي وأهميته، وانتشار الشائعات التي قد تؤثر في ثقة المجتمع بالجمعيات، إلى جانب اتساع الاحتياجات المجتمعية مقارنة بالإمكانات المتاحة.
ولفتت إلى أن التدهور الاقتصادي والاجتماعي يزيد من صعوبة تنفيذ الأنشطة، في وقت تتزايد فيه احتياجات الأسر والفئات الأكثر هشاشة.
حماية الأطفال العاملين..الحاجة إلى تنسيق أوسع
وفي مجال حماية الطفل، تحدثت فاطمة محمد يسلم، رئيسة جمعية رعاية وحماية حقوق الأطفال العاملين، عن أهداف الجمعية في الحد من عمالة الأطفال، ومساعدة الأسر على إنشاء مشاريع صغيرة مدرة للدخل، ورفع الوعي بالمخاطر التي يتعرض لها الأطفال العاملون، خصوصًا في المهن الخطرة.
وأوضحت أن الجمعية عملت منذ عام 2005 مع منظمة إنقاذ الطفل في أنشطة التوعية والمسوح الميدانية التي استهدفت تحديد الأطفال العاملين في ظروف خطرة، كما شملت أنشطتها مناطق في عدن، بما فيها المناطق الساحلية ومناطق عمل الصيادين.
وأضافت أن الجمعية افتتحت مركزًا في منطقة فقم لتدريب الأمهات على اكتساب مهارات مهنية، إلى جانب جهودها في مساعدة الأطفال على العودة إلى التعليم، والتنسيق مع منظمات المجتمع المدني ورجال الأعمال والسلطة المحلية.
وعن واقع العمل في مجال حماية الطفل، أشارت يسلم إلى ما وصفته بتراجع التنسيق مع الجهات الحكومية، وضعف الاهتمام ببعض قضايا حماية الأطفال مقارنة ببرامج أخرى، إلى جانب محدودية دعوة الجمعيات المتخصصة للمشاركة في المشاورات والأنشطة ذات الصلة.
كما لفتت إلى تكرار تنفيذ مشاريع متشابهة في المناطق نفسها دون إجراء تقييم كافٍ للاحتياجات، مؤكدة أهمية الاعتماد على البيانات والإحصاءات الميدانية عند التخطيط للبرامج.
ودعت إلى تعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية والجمعيات المتخصصة، وتوفير التعليم والرعاية الصحية، وإنشاء مراكز للتدريب المهني والتلمذة الصناعية، وتكثيف التفتيش على أماكن العمل، وتطبيق الاتفاقيات الدولية التي تحظر تشغيل الأطفال في الأعمال الخطرة.
بين الجمعيات العريقة والمؤسسات الحديثة
مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في العاصمة عدن، وفي تعليقه على واقع العمل المدني في العاصمة عدن، قال مدير مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، المحامي أرسلان السقاف، إن العمل المدني يشهد تطورًا ملحوظًا من حيث عدد الجمعيات والمؤسسات وتنوع مجالات عملها، معتبرًا أن هذا التطور إيجابي متى انعكس على خدمة المجتمع وتحقيق أثر تنموي مستدام.
وأوضح أن الجمعيات العريقة تمتلك خبرة وحضورًا مجتمعيًا، في حين أسهمت مؤسسات جديدة في إدخال أساليب حديثة في الإدارة وتنفيذ البرامج.
وأكد أن مكتب الوزارة لا يقيس نجاح المنظمات بحجم التمويل أو الحضور الإعلامي، بل بما تحققه من أثر حقيقي في المجتمع، ومدى التزامها بالقانون والشفافية والأهداف المعلنة.
وأضاف أن المكتب يعمل على تعزيز الرقابة والتنظيم لضمان توجيه جهود المنظمات نحو أولويات المجتمع والارتقاء بجودة العمل المدني.
إن المجتمع المدني يشهد نموًا في عدد الجمعيات والمؤسسات وتنوعًا في مجالات عملها، معتبرًا ذلك تطورًا إيجابيًا متى ما انعكس في تحقيق أثر مستدام في المجتمع.
وأوضح أن الجمعيات العريقة تمتلك خبرات متراكمة وحضورًا مجتمعيًا، في حين أسهمت مؤسسات أحدث في إدخال أساليب إدارية وبرامجية متطورة إلى العمل الأهلي.
التسهيلات القانونية..بين النص والتطبيق
من القضايا التي برزت خلال متابعة واقع الجمعيات الأهلية مسألة التسهيلات القانونية المقررة لها، ومنها تخفيض فواتير المياه والكهرباء.
وتنص المادة (40)، الفقرة (4)، من القانون رقم (1) لسنة 2001م بشأن الجمعيات والمؤسسات الأهلية على أن: «تسري على المقرات الرئيسية للجمعيات الأهلية تعريفة استهلاك المياه والكهرباء المقررة للمنازل، كما تمنح تخفيضًا قدره (50%) من قيمة استهلاكها».
وبحسب إفادة مدير مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في عدن، أرسلان السقاف، فإن التخفيض يُعد من التسهيلات المقررة للجمعيات الأهلية بموجب القانون. وأوضح أن الجمعية المرخصة التي تمتلك مقرًا وتلتزم بتقديم تقاريرها المالية والفنية السنوية، يمكنها مراجعة مكتب الوزارة للحصول على خطاب يُقدَّم إلى إدارتي المياه والكهرباء لاستكمال إجراءات الاستفادة من التخفيض..
من جانبه، أكد وزير الكهرباء المهندس عدنان الكاف أن على الجمعيات الراغبة في الاستفادة من التخفيض مراجعة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل للتحقق من استيفاء المتطلبات، بما في ذلك التصاريح والموازنة المالية المصادق عليها من الجمعية العمومية. وأوضح أن الوزارة تمنح الجمعية، بعد استكمال الإجراءات، خطابًا رسميًا لاستكمال إجراءات تطبيق التخفيض وفقًا للقانون واللوائح.
نحو بيئة أكثر دعمًا للعمل الأهلي
تكشف تجارب الجمعيات التي استمعت إليها الصحيفة عن تحديات تتجاوز مسألة التمويل، لتشمل استدامة المشاريع، وتوفير الكوادر المؤهلة، وتعزيز ثقة المجتمع، وتطوير التنسيق مع الجهات الرسمية والقطاع الخاص.
وفي المقابل، تبرز أهمية الاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى الجمعيات العريقة، وتبادل التجارب مع المؤسسات الأحدث، وتوجيه المشاريع وفق دراسات دقيقة للاحتياجات، بدلًا من تكرار الأنشطة في المناطق نفسها دون قياس واضح لنتائجها.
كما أن تهيئة بيئة إدارية وقانونية واضحة، وتيسير الإجراءات أمام الجمعيات المستوفية للشروط، وتعزيز الشفافية والمساءلة، من شأنها أن تساعد على تحسين أداء العمل الأهلي، وتوسيع أثره في المجتمع.
وتكشف الإفادات المتعلقة بالتسهيلات القانونية عن تساؤلات بشأن مدى تطبيقها عمليًا، ووضوح الإجراءات المطلوبة أمام الجمعيات، ومدى استفادة الجهات المستوفية للشروط منها، بما يستدعي توضيح الأسس القانونية والإدارية المنظمة للتطبيق، وضمان وصول التسهيلات المقررة إلى مستحقيها وفقًا للقانون.













