أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:58 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • الجرح الذي لم يندمل في جسد الوطن

    علي عبدربه غزال




    منذ اندلاع التحولات السياسية التي شهدها اليمن، لم يعد المواطن يسمع عن الإنجازات بقدر ما يسمع عن الأزمات والانقسامات وتبادل الاتهامات. ومع مرور السنوات، تراكمت التحديات، وتراجعت ثقة المواطن في قدرة مؤسسات الدولة على تلبية تطلعاته، بينما ظل الوطن هو المتضرر الأكبر من استمرار هذه الأوضاع.

    ولعلّ أكثر ما يثير القلق أن الخلافات السياسية وتغليب المصالح الضيقة انعكسا على أداء بعض مؤسسات الدولة، فأصبحت المصلحة العامة في كثير من الأحيان تتراجع أمام الحسابات الخاصة، وهو ما ألقى بظلاله على مستوى الخدمات والتنمية والاستقرار.

    ولا تقتصر الأضرار التي تصيب الأوطان على الصراعات المباشرة، فهناك ممارسات تترك آثارًا عميقة في جسد الدولة، مثل الفساد، وإهدار المال العام، واستغلال النفوذ، والمحسوبية، وإقصاء الكفاءات، وتحويل الوظيفة العامة من مسؤولية لخدمة المجتمع إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية.

    وقد تابع اليمنيون خلال السنوات الماضية تراجعًا في أداء عدد من المؤسسات، وتأخرًا في تنفيذ مشاريع خدمية وتنموية كان المواطن يعول عليها كثيرًا. كما أن تنفيذ بعض المشاريع بجودة متدنية أو تعثرها قبل اكتمالها حرم المواطنين من خدمات أساسية، وأضعف الثقة في كفاءة الإدارة والرقابة ولعل وضع الكهرباء في كل المدن شاهد.

    وفي جانب الوظائف والمنح الدراسية، يشعر كثير من الشباب بالإحباط عندما يعتقدون أن بعض الفرص لا تُمنح دائمًا وفق معايير الكفاءة والاستحقاق، بل تتأثر أحيانًا بعوامل القرابة أو النفوذ أو الانتماءات. وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص يظل أحد أهم أسس بناء الدولة الحديثة وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسساته.

    أما الفساد، فهو من أخطر التحديات التي تواجه أي دولة، لأنه يستنزف الموارد، ويعرقل التنمية، ويزيد من معاناة المواطنين. فالمال العام أمانة يجب أن يوجه لبناء المدارس والمستشفيات والطرق وتحسين الخدمات، لا أن يضيع بسبب سوء الإدارة أو ضعف الرقابة أو أي ممارسات تسيء إلى المصلحة العامة.

    ويبقى السؤال الذي يطرحه كل يمني.. إلى متى سيظل الوطن يدفع ثمن الانقسامات والمصالح الضيقة..؟ وإلى متى ستظل آمال المواطنين في التنمية والاستقرار مؤجلة..! فحب الوطن لا يقاس بالشعارات، بل يترجم بالعمل الصادق، واحترام القانون، والحفاظ على المال العام، وتقديم المصلحة الوطنية على كل اعتبار.

    إن اليمن لا تنقصه الكفاءات ولا المخلصون، لكنه بحاجة إلى ترسيخ مبادئ النزاهة والكفاءة والعدالة، وتعزيز سيادة القانون، وبناء مؤسسات قوية تقوم على خدمة المواطن، بعيدًا عن أي اعتبارات شخصية أو فئوية.

    ولا يمكن لأي دولة أن تحقق نهضتها المنشودة ما لم تتكاتف جهود أبنائها، وتترسخ قيم المسؤولية والمحاسبة، ويصبح الإصلاح خيارًا عمليًا لا مجرد شعار. فالوطن ملك لجميع أبنائه، والحفاظ عليه مسؤولية مشتركة لا تستثني أحدًا.

    ولا أحد ينكر أن هناك مسؤولين وموظفين وعسكريين يؤدون واجبهم بإخلاص رغم صعوبة الظروف، ويستحقون كل التقدير. غير أن استمرار بعض مظاهر الفساد أو المحسوبية أو القصور الإداري يستوجب المعالجة والإصلاح، بما يعزز ثقة المواطنين ويخدم مستقبل البلاد.

    وفي النهاية، يبقى الأمل معقودًا على أن ينتصر صوت الحكمة والإصلاح، وأن تتقدم المصلحة الوطنية على كل المصالح الأخرى، حتى يتمكن اليمن من تجاوز أزماته، ويفتح صفحة جديدة عنوانها الدولة والعدالة والتنمية، وهي الغاية التي يتطلع إليها كل مواطن يمني.

المزيد من مقالات (علي عبدربه غزال)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال